يوم الإمتحان يُكرم المرء أو يُهان::

الأربعاء, 10 فبراير 2021, 12:07 م

.

بقلم :نجوى حجازي.

بالعلم والمال يبني الناس مُلكهم
لم يبن مُلك على جهل وإقلال.
هكذا تغنى الشاعر بقيمة العلم ووضعه في مكانه الصحيح حيث أن مكانته تسبق المال حتماً ،ولأن الإنسان بعقله وجهده وعلمه يستطيع أن يجني الكثير من المال ،إلا أن هذا المفهوم أصبح مردود اً عليه في زمننا هذا خاصة مع التدني العام في

الذوق الذي رفع الكثير من الغوغاء والسوقه والجهلاء وجعلهم مثالا للتفوق المادي بغض النظر عن جهلهم المُطبق وتدنيهم الإجتماعي والثقافي والعلمي ،ومروراً بالتعليم أرى أن منظومة التعليم ساهمت بشكل كبير في هذا الأمر لأن الحياة تطورت ومازلنا نقف على أعتاب أهمية الامتحان كمقياس لنجاح الطالب من عدمه ،ومازالت الأسرة هي

المساهم الأكبر في العمليه التعليميه ،والطفل منذ نعومة أظفاره يعلن وبصدق عن كراهيته الشديده للمدرسه وللتعليم وأنه يُساق إلى المدرسه كما يُساق المتهم إلى مِقصلة الاعدام ،وهنا تحضرني قصة شخصية لي مع بداية تخرجي في الجامعة وكنت من دارسي الآداب ،فتقدمت للعمل كمعلمة وتم اختياري ولكن لعدم وجود خبرة لدي بحكم حداثة تخرجي فتم اختياري لتدريس الصف الأول الابتدائي وهنا أسقط في يدي ،فماذا أنا بفاعلة وخاصة أن دراستي أكاديمية ولا أملك الناحية التربوية وهؤلاء أطفال صغار !!!وبدأت تجربتي مع هؤلاء الصغار وأنا أخشى عليهم فكنت أجلس

لأفكر كيف أصل إلى تلك العقول الصغيره وخاصة أنهم لا يعبرون في معظم الأحيان عن فهمهم من عدمه ،فكانت حصة الإملاء أول درس تعلمته في كيفية تعليم هؤلاء الصغار فقد اكتشفت أن ذاكرتهم قوية لدرجة أنهم يحفظون الكلمات فيكتبون قطعة الإملاء قبل أن أملي باقي الجملة وهنا أدركت كم تعبت أمهاتهم من أجل تحفيظهم رسم تلك الكلمات لأنني بعد إجراء بسيط بطلب كتابة كلمة مكان أخرى فشل معظمهم في كتابة باقي الجملة صحيحه وهنا أدركت أنه لابد من ابتكار لوحة حروف ننتقي منها حرفين أوأكثر لصنع كلمة

في كل حصة فنلعب ونذاكر ونحفظ الحروف ،ثم كان الدرس الثاني مع أول اختبار عندما أتى لي طالب يبكي فسألته عن سبب بكائه فذكر لي أن والدته ستعاقبه إن لم يأت بالدرجة الكامله لأنها جلست تذاكر معه طيلة النهار ،وهنا أدركت أن رسالتي ليس الهدف منها رصد درجات نجاح أو رسوب وإنما الهدف منها هو التعليم والتدريب والتثقيف فطلبت من كل طالب أو طالبه ينتهي من امتحانه أن يأتي إليّ لمراجعة

ورقته وبدأت أراجع إجاباتهم وكنت أراجع معهم إجاباتهم الخاطئه وأصححها لهم فيعودوا لكتابتها مرة أخرى بعد فهمهم الإجابة الصحيحه ليأخذوا الدرجة النهائية والوجه الضاحك والنجمة الكبيرة لتكتمل سعادتهم ،وكان الدرس الثالث حين علم زملائي بأنني اعطي واجبا لطلابي مهمتهم فيه إخراج كلمات المد من كل درس كنوع من التدريب على المدود والتمييز بينها من أجل إجادةالقراءه ،فوصل الخبر لرئيستي في العمل ليكون ردها اتركوها حتى يشكوها أولياء

الأمور لأن المدرسة تمنع الواجبات وهي خالفت بذلك قانون العمل في المدرسه ،وانتظرت شكواهم ولم يأت أحد إلى أن انتهت اختبارات الفصل الأول وكانت المفاجأه لي أن أولياء الأمور لم يأتوا بشكوى وإنما أتوا يحملون باقات الورود من أجل شكري لأن مجهودهم مع أبنائهم قل واعتماد الأبناء على أنفسهم زاد بل وقال لي البعض أن ابناءهم يشاركونهم قراءة الجرائد لاثبات أنهم يجيدون القراءه ، ثم سافرت إلى خارج مصر لأقوم بتدريس الطلاب ذوي صعوبات التعلم لأتعلم

درساً آخر وهو أن طاقة الإنسان لا تنفذ وأن الله قد يحرم الإنسان من نعمة ويبدله بأخرى فوجدت في هؤلاء طاقة إبداع وتميز لم أشهدها في غيرهم من الطلاب الذين لا يعانون من صعوبة في التعليم فوجهت مواهبهم نحو تمثيل المسرحيات باللغة العربية الفصحى فوجدت استجابة ونجاح أبهرني وأسعدني وحببهم في تلك اللغه التي تبدو صعبة للجميع وخاصة وهم لديهم صعوبة في ادراك

حروفها،وانتقلت للعمل في المرحلة الثانوية وتحديدا لتدريس آخر صف فيها ،وهنا واجهت صعوبة أكبر فأنا بصدد التعامل مع مراهقات كبار بكل ما يواجهونه من مشاكل نفسية وأسرية وتعليمية أيضاً ،فوجدت أن مهمتي الأولى الوصول إلى نفسية هؤلاء وتقبلهم بما هم عليه بنجاحهم وفشلهم وحتى بما اعوج من سلوكهم لأن التقويم سيكون سهلاً إن استطعت الوصول إلى تلك النفوس وبالفعل نجحت عندما ناقشت

عقولهن واحترمت مشاعرهن الغضه وظروفهن التي لا ذنب لهن فيها،لم أجعل الدرجات سلاحا للتهديد ولم اترك الامتحان مقياس علاقتهم باللغه بل كنت دائما أحاور وأناقش وأبحث عن مداخل للدرس من خلال الحياة حتى الشِعر ربطته بواقع الحياة فاكتسبت طلاباً ناجحين وضعتهم على سلم الحياة وغرست زهور الأمل بداخلهم ،ولا أذكر ذلك من باب الفخر وإنما أذكره من باب أنه لابد من تغيير سياسة وثقافة التعليم في بلادنا فالمعلم ليس قرداً مسلسلاً بقوانين في عمل هو من

أشرف الأعمال وأجلها فرسالته رسالة الأنبياء والرسل،والهدف الأول والاسمى هو التعليم والتدريب والتثقيف وليس تقييم الطالب من حيث نجاحه ورسوبه ، والتعليم كي ينجح ويجني ثماره لابد له من أدوات أهمها الاهتمام بالكيف وليس بالكم ،و أن التعليم لا يقوم على الحفظ أو التحفيظ ،وأن أفشل أنواع التعليم الذي يثقل كاهل الأسرة بالجهد أو بالمال، واعتقد أن ظروف الكورونا التي وضعت الطلاب أمام شاشة الكمبيوتر أدعى أن تجعلنا نعيد النظر في ماهية التعليم ودور المعلم ،ومن هنا أنادي بأن

التعليم في المرحلة الابتدائيه لابد وأن يقوم على الفهم والتحليل والاستنباط والبحث من خلال الانترنت عن المعلومة وأن المعلم دوره ينصب على تثقيف الطلاب فنحن نبحث عن المعلم سقراط الذي يجلس بين طلابه يحاورهم ويعلمهم ويزيد من ثقافتهم ،وعلينا أن نسعى لخلق جيل يبدع ويفكر ويحلل ويبحث عن المعلومة بدقة لديه ثقافه وخبرة بدلا من أن يُختزل التعليم مدرس وطالب في عبارة “يوم الامتحان يكرم المرء أو يهان”

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.