صوفية الجزائر في مواجهة الإحتلال الفرنسي …

بقلم: دكتور عمر محمد الشريف

كان موقف الصوفية في الجزائر واضحاً رافضاً للإحتلال الفرنسي جملة وتفصيلاً، وبدأ الجزائريون رحلة النضال ضد المحتل ، فواجهت فرنسا كفاح منظم وثورات شعبية عديدة منها ثورة الحاج أحمد باي بن محمد الشريف في الشرق ، وفي الغرب ثورة الأمير عبدالقادري الجزائري ، وللا فاطمة نسومر في القبائل ، وما كانت تخمد واحدة حتى تثور الأخرى حتى أتت ثورة التحرير الجزائرية في عام 1954م ، والتي حررت بلد المليون شهيد من براثن الإستعمار .

وفي السطور التالية نتناول إضاءات في جهاد قائد من أبرز ثوار الجزائر ، رجل دولة من الطراز الفريد ، وفقيه وشاعر وسياسي عظيم ، إنه الأمير عبدالقادر بن محي الدين الحسني ، المعروف بعبدالقادر الجزائري ، المولود بالقيطنة على مسافة 20 كم غربي مدينة معسكر عام 1807م ، حفظ القرآن الكريم وهو في الثانية عشر من عمره ، تتلمذ على يد والده الشيخ محي الدين والذي كان شيخاً للطريقة القادرية ، فتعلم العلوم الشرعية ، وكان تعليمه قائمًا على التعليم الديني الصوفي ، كما تدرب على الفروسية واستعمال السلاح .

في الثالثة عشر من عمره أرسله والده إلى وهران لطلب العلم ، وهناك تمكن من دراسة الفلسفة والحساب والجغرافيا ، كما تعمق في الفقه نتيجة دروس الشيخ أحمد بن الخوجة ، وبعد إنهاء رحلته العلمية عاد إلى بلدته ، ليخرج بعد ذلك مع والده لأداء فريضة الحج في عام 1923م ، وخلال رحلته عبر تونس ثم مصر ثم الحجاز ثم الشام ثم بغداد ، ثم العودة إلى الحجاز ، ومنها إلى الجزائر ، وقد تعلم الكثير خلال تلك الرحلة التي استغرقت عامين .

احتلت فرنسا الجزائر عام 1830م ، بعد أن بعث شارل العاشر جيشه لنهب ثروات البلد العربي ، احتلال دام لمدة 132 سنة ، فظائع وجرائم وانتهاكات ومذابح وسياسات قمعية ارتكبت في حق الشعب الجزائري .

بعد الإحتلال بسنتين أراد سكان إقليم وهران مبايعة الشيخ محي الدين على الإمارة لمقاومة الإحتلال وتنظيم الصفوف تحت راية واحدة ، إلا أنه اعتذر لشيخوخته ، فبايعوا ابنه الأمير عبدالقادر في عام 1832م قائداً للمقاومة ، ولم يكن عمر الأمير قد تجاوز الخمسة والعشرين عاماً .

أصدر زعماء القبائل المبايعة للأمير عبدالقادر منشوراً لإخطار باقي قبائل الجزائر بوقوع البيعة ، جاء فيه: “أما بعد ، معاشر العرب والبربر: إن الإمارة الإسلامية والقيام بشعائر الأمة المحمدية قد آل أمرها الآن إلى ناصر الدين ، السيد عبدالقادر بن محي الدين ، وقد جرت مبايعته على ذلك من العلماء والأشراف والأعيان في معسكر، وصار أمير الناس…” .

وقد وقعت بيعة أخرى عامة في قصر الإمارة بمعسكر ، يمكن اعتبارها البيعة الرسمية وذلك في 4 فبراير 1833م ، ليبدأ الأمير تولي مهمة المقاومة الشعبية وتكوين الجيش ، فوحد القبائل تحت راية واحدة ، واتخذ من مدينة المعسكر عاصمة له ، وخاض عدداً من المعارك أهمها: معركة خُنق النطاح الأولى ، وخُنق النطاح الثانية ، ومعركة برج رأس العين ، وقد أظهر الأمير في تلك المعارك شجاعة باسلة حازت إعجاب المحاربين .

ليحقق انتصارات ضد الفرنسيين أدت إلى إجبار فرنسا على إبرام هدنة معه فكانت اتفاقية تافنا عام 1838م ، والتي اعترفت فيها فرنسا بسيادته على غرب ووسط الجزائر ، فشرع الأمير عبد القادر بعد هذه الإتفاقية في تشكيل الحكومة وتنظيم الدولة .

كان الأمير يختم قراراته ومراسم التعيين بخاتم الإمارة الذي كان على شكل دائرة كبيرة ، وقد نقش في محيطها بيت من البردة للبوصيري رحمه الله:
ومن تكن برسول الله نصرته … إن تلقهُ الأسدُ في آجامها تجم
وفي جوانب الخاتم عبارات: “الله ، محمد ، أبو بكر ، عثمان ، علي”. وفي وسط الدائرة: الواثق بالله القوي المتين ، ناصر الدين ، عبدالقادر بن محي الدين ، والتاريخ الهجري .

وللآسف كانت اتفاقية تافنا فرصة لفرنسا لالتقاط الأنفاس ووصول الإمدادات ، لتواصل بعد ذلك القتال ضد قوات الأمير عبد القادر ، فسقطت معاقله واحدًا تلو الآخر بعد مقاومة مريرة ، وكانت الهزيمة بسبب الفروق البشرية أيضاً، فقد كانت قوات الأمير تقدر بحوالي 20 ألف مقاتل بينما جيش فرنسا 100 ألف .

اضطر الأمير للاستسلام للقوات الفرنسية عام 1847م ، فحبس في سجن لامالغ الحربي بمدينة طولون في نفس العام ، ثم نقلوه لقلعة بلوا بمدينة بو جنوب غربي فرنسا ، ثم قصر أمبواز حيث قضى أربعة أعوام ، حتى قرر رئيس الجمهورية الفرنسية لويس نابليون إطلاق سراحه ، ودُعي الأمير لكي يتخذ من فرنسا وطنًا ثانيًا له ، لكنه رفض ليرحل إلى الشرق، فانتقل إلى تركيا عام 1852م ، وأقام بها ثلاثة أعوام ، ومنها إلى دمشق عام 1855م .

في دمشق قام بالتدريس في المسجد الأموي كما قام بالتدريس قبل ذلك في المدرسة الأشرفية ، وفي المدرسة الحقيقية .

في مايو عام 1883م توفى الأمير عبد القادر فى قصره قرب دمشق عن عمر يناهز 76 عاماً، ودفن بجوار الشيخ الصوفي محي الدين بن عربى تنفيذاً لوصيته ، وفي عام 1965 نقل جثمانه إلى الجزائر ودفن في المقبرة العليا .

للأمير مواقف إنسانية خالدة ، منها إطلاقه في إحدى المناسبات عدد من الأسرى الفرنسيين لعدم تمكنه من إطعامهم ، وهذا الموقف يدل على أخلاق الفارس النبيل الأمير عبدالقادر ، وفي عام1860م عندما تحركت شرارة الفتنة بين الدروز والمسيحيين في سوريا ، كان له دور فعال في حماية أكثر من 12 ألف من المسيحيين .

ترك بصمة في الفكر الإسلامي عن طريق مؤلفاته ولعل من أشهرها كتاب “المواقف” والذي قام بكتابته أثناء تواجده في الشام بعد إطلاق لويس نابليون رئيس الجمهورية الفرنسية سراحه ، وقد ناقش فيه أهم القضايا الشائكة في الفكر الإسلامي ، ووضع فيه بعض الآراء الإصلاحية ، وخلال تواجده في تركيا قام بتأليف رسالة “ذكرى العاقل وتنبيه الغافل” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *