شوارع الموت .. بقلم الأديبة / روشان صفا

الإثنين, 1 نوفمبر 2021, 7:06 ص

 

العاشرة مساء ، الطريق السريع يغسله المطر ، ثمانية حارات في كل جانب تفصلها حاجز اسمنتي ، لا سيارات تمر إنها ليلة الأحد ، المحلات و المتاجر الكبرى تغلق أبوابها في السادسة مساء ، و لا يوجد في الحي إلا متجر صغير و مخبز و صيدلية هم فقط من يسمح لهم بالعمل بعد السادسة ، تمر كل عشرة دقائق سيارة مسرعة لا تستطيع أن ترى من بداخلها فزجاج السيارات مغلق و الماء المكثف عليها يحجب عنك رؤية من بداخلها ، البرد يفتت عظامك و إن تلحفت بالجلد المبطن بالفراء لا فائدة ، أنفاسك الخارجة منك تتحول لبخار ماء في ثواني و الماء يسيل من أنفك بلا توقف ، خرج أحمد مسرعا لشراء خبز و في طريق العودة كان يسير بمفرده في الطريق عائدا لبيته بعد أن تسوق خبز وحليب و شوكلاته ، يعيش وحيدا لا أحد معه منذ أن حضر من المغرب ودخل مدينة بون الألمانية لاجئ ، حين قام بتمزيق جواز سفره أثناء الرحلة وقبل هبوط الطائرة ألقاه في دورة المياه و تسبب في إتلافها و إغلاقها ، وحين دخل صالة الوصول مع المسافرين القادمين من تونس ، على الخطوط الألمانية في الرحلة المتوجهه لدولة المانيا قام برفع يديه معلنا خلوهما من جواز السفر ، تدخلت الشرطة و بدأت بالتحقيق معه ، و تم تسجيله في دفتر المخالفين لقوانين دخول دولة ألمانيا و أصبح لاجئ فمنذ شهور قليلة قرر أن يهرب من العالم العربي و يحصل على فيزا سياحية و لا يعود ، و على الرغم من أنه غير مضطهد سياسيا و لا دينيا ، إلا إنه كتب ذلك في إستمارة اللجوء إنما الحقيقة هو غارق في الفقر و الديون ،
فقرر أن يهرب من المغرب ويقضي باقي عمره متسول في أوروبا بدلا عن السجن في الدار البيضاء لمدة لا تقل عن سبع سنين ، كان يهرول عائدا لبيته مدندنا أغنية فيروز ( راجعين يا هوى راجعين ) و كادت شفتاه أن تتجمد لولا أن تلثم بالكوفية الصوف كانت خطواته خائفة سريعة و لا أدري لما كان مسرع أكان هربا من البرودة الشديدة أم من المجهول الذي أصبح حاضرا أمامه في لحظة ، حين توقفت سيارة بجوارة و نزل منها ثلاث رجال شبه عرايا و مخمورين و كأنهم أبطال كمال أجسام و هذا الصليب المعكوف من أوضح الرسوم المرسومة بالوشم على صدورهم العارية ، أحدهم كان يحمل في يده الكرة الحديديه مدببه و مثبت فيها سلسلة تنتهي بمقبض يمسكه بيده و بدأت المطاردة و أنهالت عليه عبارات السباب مصحوبة بعبارات العنصرية لبشرته السمراء و شعره الأسود ..
إرتعب أحمد و هو لا يعلم كيف ارتفع الأدرينالين في جسده و كان كأبطال سباقات العدو السريع حين حطم كل الأرقام القياسية و استطاع أن يفلت منهم في لمح البصر و عاد الثلاثة للسيارة و لزجاجات الخمر والضحك بصوت عالي ، حينها تراجعت خطوة للوراء و أغلقت الستارة و النور ..
شربت قليلا من الماء حتى أعود لهدوئي و اختفيت من أمام الشباك خوفا منهم فأنا أيضا عربية لي بشرة سمراء و شعر أسود ..

بقلم – روشان صفا
يتبع

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.