” سياسة بلا أخلاق ” مشاهد من تاريخ مصر الحديث

كتب – الرفاعي قنديل

كان أمير البحر ” أحمد فوزى باشا” , قائداً للأسطول التركى , فى الوقت الذى بلغ الصدام فيه ذروته بين مصر وتركيا , كان محمد على قد أذاق الجيوش التركية مرارة الهزائم المتوالية فى الشام والاناضول , وباتت القوات المصرية على مرمى حجر من عاصمة الامبراطورية العثمانيه , فزلزلت دعائمها وهددت بزوالها , وفى هذا الوقت الحرج مات السلطان محمود ( سلطان الاتراك) وخلفه غلام فى السابعة عشرة , اسمه عبدالمجيد , أسلم زمام الدولة إلى خسرو وعينه صدرا أعظم , والمصريون يذكرون هذا الرجل الذى جاء على مصر والياً من قبل الدولة العلية , مع بداية ظهور محمد على , ولكنه فشل فى إقتلاعه من مصر , فعاد إلى بلاده خائباً وهو يقطر حقداً على محمد على ! .
وكما جرت عليه العاده فى دول الشرق منذ القدم , فأن فترات الانتقال من حاكم إلى حاكم نعمه على البعض , مثلما هى نكبة على البعض الآخر ممن لايكون هواهم مع النظام الجديد !! , فتعمل الدسائس والمؤامرات عملها فى الإيقاع بهم , وتصفيتهم جسدياً وسياسياً !! , وكان القبودان أحمد فوزى باشا من هؤلاء الذين يتوقعون الشر من جانب ” خسرو باشا ” بسبب خصومه قديمة بينهما , لذلك لم يكد فوزى باشا يتلقى امر استدعائه إلى الأستانة , حتى أوجس فى نفسه خيفة , وأدرك انه اما مقتول او معزول !! , فأشار عليه بعض اعوانه بفكرة الجوء إلى مصر وتسليم الأسطول التركى إلى محمد على غنيمة خالصه !! , فينال حظوته ويضمن لنفسه موقعاً أثيراً فى دولة النجم الصاعد , فأستحسن الرجل الفكرة وأقلع بألاسطول الضخم سراً من ميناء الدردنيل إلى الإسكندرية , وعلى ظهره أكثر من 21 ألف جندى وبحار .. واستقبل محمد على الأسطول التركى بالحفاوة والترحاب , فبانضمامه للبحرية المصرية , أصبحت مصر أقوى دولة بحرية فى البحر الأبيض المتوسط , ولقى فوزى باشا عند سيده الجديد الحظوة التى كان يتوقعها !.
ولكن الرياح لم تجر بما كان يشتهى أمير البحر التركى , ولابما كان يتمنى محمد على , فقد لعبت الدول الأوربية ( بزعامة انجلترا) لعبتها المعروفة لاجهاض نهضة محمد على وقصقصة أجنحته التى امتدت إلى الحجاز وسوريا والمورة والأناضول , وأسفرت المؤامرة الأوربية عن أبرام معاهدة لندن التى اعادت الجيوش المصرية إلى معاقلها الأصلية , وبعدها أصدر السلطان العثمانى فرمانا ينظم شكل العلاقة مع مصر ودولة الخلافة , وكان من بين بنوده أعادة الأسطول التركى والعفوا عن جميع رجاله , باستثناء القبودان أحمد فوزى باشا , فكان لابد من تسليمه حتى يلقى جزاء خيانته !

وأسقط فى يد محمد على فلا هو يستطيع مقاومة أمر السلطان ومن خلفه الدول الأوربية المتحفزه , ولاهو يستطيع تسليم الرجل الذى التجأ إليه !!, فتضيع هيبته امام أتباعه ومعظمهم من الترك , وشعر السلطان بحرج محمد على , وأراد أن يسهل عليه الأمر ويخرجه من المأزق , فبعث أليه بانه ليس من الضرورى تسليم القبودان الخائن حياً !! فالمهم ان يدفع ثمن خيانته سواء فى مصر او فى الأستانه , فكلها بلاد السلطان !! , وفهم والى مصر مغزى الإشارة , فنهض على الفور إلى خزانته الخاصة , وأخرج منها ” قنينة سموم ” صغيره !! , واستدعى احد خاصته وأعطاه القنينه , وكلفه بمهمة التفاهم مع فوزى باشا لإخراج والى مصر من ورطته !

وذهب الرسول إلى قصر فوزى باشا , وأخذ يلاطفه ويحدثه حديثاً عن متاعب الحياة الدنيا , وكيف ان متاعها زائل !! , وأن النعيم الحقيقى فى الحياة الأخرة , وان ماعند الله خير وأبقى , وأنه يحسن بالمرء أن يكون مستعداً لمقابلة وجه ربه الكريم فى أية لحظه يشاء الله فيها أن يستدعيه أليه , وما أسهل الموت إذا جاء للإنسان فى جرعة ماء أو فنجان قهوة !!! , وفهم فوزي باشا معنى الكلام فقام وتوضأ وصلى العصر وختم الصلاة بالدعاء والأستغفار .. ثم ألتفت إلى فنجان القهوة المسمومة فتجرعها فى صبر واستسلام وهو يهذى بالتركية : قسمت .. قسمت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *