تقدير الاقتصاد الخفي في مصر بين الواقع والأمثلية

(بقلم أ. د/ منال عفان أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة -جامعة طنطا)
متابعة الاعلامية لطيفة القاضي
مقدمة: يعتبر الاقتصاد الخفي احدى الظواهر الخطيرة التي تواجه الاقتصاد العالمي، وتزداد حدته في الدول النامية عن المتقدمة. ففي عام 2000 بلغ حجم هذا الاقتصاد بمدخل استهلاك الكهرباء (كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي) 18%، 41%، في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والدول النامية ذات الدخل المنخفض على الترتيب 1. وفي تقديرات أحدث بمدخل الطلب على العملة وبالتطبيق على 111 دولة للفترة 1984-2006 بلغ حجم هذا الاقتصاد 17%،24%،33%،37%،38% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الدول ذات الدخل المرتفع، الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى، الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى، والدول منخفضة الدخل على الترتيب2. وتؤكد الأدبيات على معاناة الدول المتقدمة هي الأخرى من تلك الظاهرة ، ففي الولايات المتحدة الأمريكية ازداد حجم هذا الاقتصاد من واحد الى اثنين تريليون دولار خلال الفترة من 2009-2013(أي ما يعادل 8%، 13% من الناتج المحلي الاجمالي الأمريكي على الترتيب) بسب آثار الأزمة المالية العالمية وحدوث الثورات العربية 3. وتوضح منظمة العمل الدولية ILO في تقريرها لعام 2012، أن خطورة هذا الاقتصاد تتضح من أنه لم يعد يقتصر على القطاع الزراعي، ولكنه امتد لكل القطاعات والأنشطة الأخرى، فلقد بلغت العمالة فيه على مستوى العالم 1.8 بليون عامل مقارنة بحوالي 3 بليون عامل يعملون بالاقتصاد الرسمي 4.
ولقد عانت مصر من آثار هذا الاقتصاد على مدار عدة عقود، مما أسهم في تخفيض فعالية السياسات الاقتصادية المستخدمة، وانخفاض كفاءة التخطيط والتنبؤ، وتدني مستوى الجودة للعديد من السلع والخدمات، وانخفاض المتحصلات الضريبية مما أسهم في زيادة الدين العام، فضلاً على احداث تفاوت في توزيع الدخول والثروات بين أفراد المجتمع المصري. وفي اسهامات واضحة للرئيس عبد الفتاح السيسي ولأول مرة بمشكلة الاقتصاد الخفي في مصر، تناول سيادته تلك المشكلة في المؤتمر الدوري للشباب الذي انعقد في 16 مايو 2018، مشيراً الى أن الدولة ستضع خطة لمواجهة الاقتصاد الخفي مع نهاية العام، وأن المشروعات التي ستندمج منها في إطار الاقتصاد الرسمي سيتاح لها مزايا عديدة، كالحصول على اعفاءات ضريبية لمدة خمس سنوات وتسهيلات ائتمانية، فضلاً على تسهيلات في التأمينات الاجتماعية، لضمان الحماية الكافية للعاملين بها. وقد سعى فيما بعد البنك المركزي انطلاقاً من تلك المبادرة الهامة لرئيس الجمهورية، الى اصدار العديد من الاجراءات التي اعتمد فيها على الشمول المالي لحل مشكلة الاقتصاد الخفي للمشروعات صغيرة الحجم. وعلى جانب آخر وضعت وزارة المالية خطة متكاملة تتضمن العديد من الحوافز لهذا الاقتصاد، لم تقتصر فقط على الحوافز الضريبية، ولكن شملت كذلك تحويل منظومة العمل في الضرائب للنظام الالكتروني.
وعلى الرغم من تعدد الأسباب المحلية والدولية التي أسهمت في نشأة الاقتصاد الخفي في الدول النامية ومنها مصر، وتعدد الآثار الناجمة عن هذا الاقتصاد، الا أن منهجية تقديره لازالت غامضة، وهو ما يثير تساؤل هام هل هناك تباعد بين التقدير الفعلي لهذا الاقتصاد والتقدير الأمثل له ؟. ان منهجية تقدير هذا الاقتصاد لا تقل في أهميتها عن دراسة أسبابه وآثاره الناجمة عنه، فالتقدير الدقيق للمشكلة هو الخطوة الأولى لحلها فيما بعد. وتبدو خطورة تلك القضية من وجود طرق ومناهج عديدة لتقدير الاقتصاد الخفي عند الباحثين والمنظمات الدولية ودول العالم، وعلى جانب آخر اقتران مفهوم الاقتصاد الخفي بمفهوم المشروعات غير الرسمية صغيرة الحجم والتوظف غير الرسمي. ولاشك أن دراسة المنهج الأمثل لتقدير الاقتصاد الخفي يتطلب استعراض مفهوم هذا الاقتصاد، والطرق والمناهج المتاحة لتقديره، وتقدير هذا الاقتصاد في مصر، والمنهج الأمثل للتقدير والتوصيات في اطار ذلك وهو ما يتم عرضة بالمقالة الآتية.
أولاً مفهوم الاقتصاد الخفي Hidden Economy: استخدمت مصطلحات عديدة بديلة للاقتصاد الخفي، من أهمها الاقتصاد غير الرسمي Informal Economy،الاقتصاد التحتي Underground Economy، اقتصاد الظلShadow Economy، والاقتصاد الموازي Parallel Economy، والتي لا تختلف في مضمونها عن الاقتصاد الخفي. ويعد Keith&Hart (1971) 5 أول من استخدم هذا المصطلح في بداية عقد السبعينات، لوصف العمالة في المدن في المنشآت صغيرة الحجم، التي تعمل خارج سوق العمل الرسمي في الدول النامية الأقل دخلاً، وفي السنوات التالية شاع استخدام هذا المصطلح بين المؤسسات الدولية -من أهمها منظمة العمل الدولية ILO -وفي المجالات الاقتصادية البحثية .
وقد تباينت آراء الاقتصاديين في تعريف الاقتصاد الخفي، حيث تضمنت اتجاهين متباعدين، الأول أن الاقتصاد الخفي مفهوم كلى لا يقتصر على المشروعات غير الرسمية صغيرة الحجم، بل يضم كذلك المشروعات الرسمية التي تقوم بأنشطة خفية لا تدخل في الحسابات الرسمية للدولة. أما الثاني فيرى أن الاقتصاد الخفي هو الذي يقتصر على المشروعات غير الرسمية صغيرة الحجم فقط . وتتفق العديد من الأدبيات على الاتجاه الأول6 فيعرف Rosser(2000) 7 الاقتصاد الخفي بأنه يشمل كل الأنشطة المشروعة وغير المشروعة -تضم غير المشروعة الأنشطة المتعلقة بالجرائم والعنف والرشاوي والفساد والاتجار في البشر والمخدرات والأسلحة وغيرها-التي لا تدخل بشكل رسمي في حسابات الناتج المحلي، الا أنه من الصعب تقدير حجم اقتصاد الجريمة. و يتفق Kar & Saha(2012) مع هذا التعريف8، ويضيف Schneider & Enste(2000)وكذلك Schneider (2002)9 الى التعريف السابق أن هذا الاقتصاد يشمل كل الصفقات النقدية وغير النقدية –المقايضة-التي تخص شركات رسمية وغير رسمية، لكنها لا تدخل في حسابات الناتج الرسمية .
ويمكن تصنيف الاقتصاد الخفي الى نوعين الأول الاقتصاد الخفي الأقل خطورة (المنتج والمشروع) -وهو كل نشاط لا يمثل جريمة لكنه مخالف للقانون-والثاني الاقتصاد الخفي الخطر أو الأسود، الذي يرتبط بالجرائم والفساد، ويخالف النظام والقانون 10 . وعلى الرغم من اختلاف هذين النوعين، الا أنهما يشتركان معاً في اللاعلنية والتهرب الضريبي، وعدم مسك دفاتر منتظمة 11. ولا شك أن أغلب الاقتصاد الأسود يرتبط بغسيل الأموال، ومدى خطورة تلك الظاهرة على الاقتصاد الرسمي، حيث يصعب معرفة مصادر تلك الأموال داخل الدولة. ويعرف Elshamy (2015) الاقتصاد الخفي 12 بأنه يشمل الأنشطة الاقتصادية بصورها المختلفة، التي تتحايل على التكاليف للحصول على منافع أكبر، سواء في التراخيص أو نظم الضمان الاجتماعي، أو عقود العمل أو الائتمان المالي وغيرها. ويتفق Nazier& Ramadan(2014) وكذلكBenjamin& Beegle(2014) وأيضاً منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD 13 مع تلك الرؤية بأن هذا الاقتصاد يشمل أنشطة الشركات صغيرة الحجم غير المسجلة، وكذلك الشركات كبيرة الحجم المسجلة التي تقوم بأنشطة غير رسمية. وتعتبر المنشأة رسمية وفقاً للتشريع المصري إذا حصلت على ترخيص عملها، بتسجيلها كمؤسسة تجارية أو صناعية، ولديها بطاقة ضريبية وتمسك دفاتر محاسبية بشكل منتظم. إلا أن التسجيل لا يعد شرطاً كافياً لقيام المشروع بأنشطة رسمية14.
وهكذا فالاقتصاد الخفي يشمل كل الأنشطة التي يمارسها أفراد أو شركات، ولا تعلم عنها الحكومة أي شيء، ولا تدخل ضمن حسابات الناتج المحلي الاجمالي، ولا تخضع للضرائب. وأهم ما يميزه عدم الخضوع للتشريعات والضرائب، وصعوبة الرقابة عليه أياً كان حجمه أو شكله. ويصنف البنك الدولي World Bank(2010) في احدى دراساته الشركات العاملة في الاقتصاد وفقا للرسمية وعدم الرسمية الى 15 :1) شركات رسمية وأنشطتها رسمية، 2) شركات غير رسمية وأنشطتها غير رسمية أي غير مرخص لها ،3) وشركات شبه رسمية مرخص لنشاطها لكنها تمارس بعض الأنشطة غير الرسمية. ويؤكد Eleveren &Ozgur (2016) أن النوع الثالث هو الأكثر خطورة لأن تلك الشركات تتخذ من الرسمية ستاراً لعدم الرسمية، كما أن أغلب صفقاتها ضخمة ومن الخطأ عدم أخذها في الحسبان، كما يوضح تقرير بنك التنمية الأفريقي ((AFDB أن الاقتصاد الخفي لا يقتصر على المشروعات غير الرسمية – المصطلحان مختلفان -بل يشمل كل الأنشطة غير الرسمية التي تقوم بها شركات غير رسمية أو رسمية 16 .
ويرى أصحاب الاتجاه الثاني 17 وغيرهم، أن الاقتصاد الخفي يقتصر على المشروعات غير الرسمية وغير المسجلة، والتي ليس لها تراخيص للعمل والنشاط، وأن تلك المشروعات تكون صغيرة في حجمها بمعيار رأس المال والعمل كما أن تبني هذا المنهج نظراً لصعوبة قياس الاقتصاد الخفي بمفهومه الأوسع. وبمعيار العمل يتراوح عدد العمالة بتلك المشروعات بين أقل من 5 عمال -وفقاً لمعيار الحد الأدنى- وأقل من 10 عمال وفقاً لمعيار الحد الأعلى. فالاقتصاد غير الرسمي هو الذي لا يتقيد بالتشريعات والاجراءات الحكومية (غير قانوني)، ويعتمد على كثافة عمل أعلى وعمالة غير ماهرة وموارد محدودة .
ولاشك أن الرأي الأول يمثل الاقتصاد الخفي بمفهومه الأوسع بينما يمثل الرأي الثاني الاقتصاد الخفي بمفهومه الضيق الذي يقتصر على الوحدات غير المسجلة فقط، الا أن هناك صفقات غير رسمية ضخمة في قيمتها تمارسها شركات كبيرة الحجم كالشركات الأجنبية ومتعددة الجنسية، التي تخفي جزء كبير من أنشطتها من خلال أسعار التحويل والعمل في دول عديدة ، حيث تسعى تلك الشركات الى اخفاء جزء من نشاطها بطرق رسمية وتحرم الدولة من موارد ضخمة من خلال تهربها الضريبي 18.
وهكذا يمكن تعريف الاقتصاد الخفي بأنه كل الأنشطة غير الشرعية -غير القانونية-سواء المشروعة أو غير المشروعة (كالاتجار في الأسلحة والمخدرات والأعضاء والبشر وتهريب الآثار والعمولات والرشاوي والمضاربة في العملات الأجنبية وغيرها) التي يمارسها أفراد أو شركات، والتي لا تدخل بشكل رسمي في حسابات الناتج المحلي، ويترتب عليها تركز أكبر في الدخول والثروات لدى البعض، والاضرار بمصالح الآخرين والدولة .وهكذا فان أهم ما يميز هذا الاقتصاد، أنه لا يقتصر على الوحدات صغيرة أو متوسطة الحجم غير المسجلة، بل يشمل كل الوحدات، ومما لا شك فيه أن تفسير منظمة العمل الدولية LO وبعض الباحثين للاقتصاد الخفي، بأنه يقتصر على الباعة الجائلين والمشروعات صغيرة الحجم غير الرسمية، فيه اغفال لحقيقة هذا الاقتصاد ومصادر وجوده.
ثانياً طرق ومناهج تقدير الاقتصاد الخفي : تتمتع أنشطة الاقتصاد الخفي بالسرية، مما يجعل من الصعب تقدير تلك الأنشطة خاصة في الدول النامية. وعلى جانب آخر فان التقدير الدقيق لحجم الاقتصاد الخفي سيسهم في وضع الحلول اللازمة لعلاجه، وقد اختلفت المنظمات الدولية والدول والباحثين في تقدير الاقتصاد الخفي من استخدام طرق تقليدية وحديثة19. فلقد ركزت المنظمات الدولية مثل منظمة العمل الدولية ILO على طرق عديدة مباشرة، كالاستبيانات ومسوح البيانات والمراجعة الضريبية، واعتمدت على التعريف الضيق للاقتصاد الخفي بأنه فقط هو المشروعات غير الرسمية صغيرة الحجم- مستثنية كل الصفقات غير الرسمية، التي قد تقوم بها شركات رسمية كبيرة الحجم- وحجم المشروع والوفاء بالمتطلبات القانونية كوجود ترخيص للمنشأة وتسجيلها والامساك بدفاتر منتظمة ودفع الضرائب، كما ركزت المنظمة في تحليلها على جودة التوظف والحماية الاجتماعية الأقل التي لا يتضمنها هذا الاقتصاد.
وعلى مستوى الدول تباينت الدول في الطرق المستخدمة في تقدير الاقتصاد الخفي سواء النامية أو المتقدمة، الا أن أغلب دول العالم استندت على تعريف منظمة العمل الدولية للاقتصاد الخفي، وكان الاختلاف الوارد في طريقة التطبيق لنوعية القطاعات والمسوحات المستخدمة. ففي دراسة لصندوق النقد العربي عن تقدير الاقتصاد الخفي في الدول العربية عام 2017 أوضحت أن بعض الدول تستثني القطاع الزراعي من التقدير(باستثناء مصر وليبيا) كما تختلف الدول في نظام المسوحات المستخدمة وتحديث البيانات 20 .
وعلى مستوى الباحثين نجد اختلاف واسع حيث تم استخدام طرق تقليدية وحديثة مباشرة وغير مباشرة في تقدير الاقتصاد الخفي . فيما يتعلق بالطرق المباشرة فإنها تستند على مسوح البيانات والعينات والمراجعة الضريبية. أما الطرق غير المباشرة فلقد اعتمدت على مؤشرات جزئية كالتباين بين العمالة الفعلية والرسمية، استهلاك الكهرباء-كمؤشر للناتج الحقيقي ومقارنته بالناتج المحلي الرسمي-، التباين بين الانفاق والدخل، الطلب على العملة، حساب نسبة النقدية للودائع وغيرها. وعلى الرغم من أهمية تلك الطرق، الا أنها لم تأخذ في الحسبان الا مؤشر واحد فقط لتقدير حجم الاقتصاد الخفي، كما أنها بنيت على فروض قد لا تتحقق في الواقع. ومع نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، ومع تطور البرامج الاحصائية تبني عديد من الاقتصاديين منهج حديث هوMIMIC -منهج الأسباب العديدة والمؤشرات العديدة Multiple Indicators and Multiple Causes -لتقدير حجم الاقتصاد الخفي، حيث يتم وضع الاقتصاد الخفي في معادلتين الأولى الاقتصاد الخفي كدالة في أسبابه(الأسباب كمكون هيكلي) والثانية مؤشرات الاقتصاد الخفي(كمكون مقياسي) كدالة في هذا الاقتصاد. ويعدSchneider & Enste (2000) 21 أول من أوضحا هذا المنهج وأهميته في تقدير حجم الاقتصاد الخفي. ويتميز هذا المنهج الحديث بدقة تقديراته لأنه يأخذ في الحسبان أسباب وآثار عديدة، كما يراعي تجنب القصور في الطرق التقليدية السابقة، كما أنه يقدر حجم هذا الاقتصاد على مستوى كل القطاعات والأنشطة داخل الدولة.
وقد اختلف الاقتصاديون في تحديد المؤشرات والأسباب المستخدمة في تقدير حجم الاقتصاد غير الرسمي، وهو ما يبرر التقديرات المختلفة باستخدام منهج MIMIC لحجم الاقتصاد الخفي داخل نفس الدولة . حيث يتخذ البعض مؤشرات وأسباب للاقتصاد الخفي قد لا تعكس الواقع الحقيقي لظروف الدولة ، وهو ما يترتب عليه تقديرات غير سليمة للاقتصاد الخفي .
ثالثاً تقدير الاقتصاد الخفي في مصر: يعاني الاقتصاد المصري من ظاهرة الاقتصاد الخفي التي بدأت تتضح معالمها مع نهاية عقد الثمانينات من القرن العشرين، وازدادت مع بدايات القرن الواحد والعشرين. وقد تضمنت الأدبيات والكتابات العديد من التقديرات المتقاربة والمتباعدة عن الاقتصاد الخفي في مصر. ففي دراسةAttia (2009) 22 -بمقياس الوحدات صغيرة الحجم غير الرسمية- ازداد حجم الاقتصاد الخفي في مصر من 82.9% الى 83.6% في السنوات 1988، 1998 على الترتيب. ووفقاً لتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD لعام 2009 المستندة على نسبة التوظف غير الرسمي لإجمالي التوظف بلغ الاقتصاد الخفي نسبة تتراوح بين 85% الى 89% 23. ولا شك أن عدد الوحدات غير المسجلة، والتوظف غير الرسمي لا تعد مؤشرات دقيقة لتقدير حجم الاقتصاد الخفي، وهو ما دعى العديد من الباحثين للاعتماد على مناهج بديلة في التقدير.
ووفقاً لطرق مباشرة أخرى24 في التقدير-كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي- قدرSchneider & Enste(2000) الاقتصاد الخفي في مصر بطريقة استهلاك الكهرباء للفترة 1989-1999، بحوالي 68%. وفي عام 2005 قدر Schneider الاقتصاد الخفي بطريقة الطلب على العملة بحوالي 36%، 36.9% في الأعوام 2002، 2003 على التوالي. وفي تقدير آخر قدمه Alm&Embaye في عام 2013 للاقتصاد الخفي في مصر للفترة 1984-2006 بالاعتماد على طريقة الطلب على العملة بلغ 30.4% في عام 2006 . وفي عام 2016 قدر Hassan&Schneider الاقتصاد الخفي للفترة 1976-2013 بطريقة الطلب على العملة حيث بلغ 59.02% في 1976، 21.3% في 2013 .
وفي تقديرات أخرى للاقتصاد الخفي في مصر باستخدام منهج MIMIC 25 أوضح Schneider(2005) أن هذا الاقتصاد بلغ 35.1% في عام 2000، وفي تقدير آخر قدمه Schneider et al(2010) بلغ هذا الاقتصاد 36.7% في عام 2006. وفي تقدير أحدث قدمه ELShamy (2015) لهذا الاقتصاد بهذا المنهج للفترة 1980-2012 ازداد هذا الاقتصاد من 27.2% الى 37.4% خلال هذه الفترة. وفي اطار نفس المنهج أوضح Hassan &Schneider(2016) في تقديره للاقتصاد الخفي للفترة 1976-2013 أنه بلغ 35%، 21.4% في الأعوام 1976، 2013 على التوالي. الا أن تلك الدراسة الأخيرة اعتمدت على عدد قليل من المؤشرات والأسباب لم تعكس الواقع الاقتصادي في مصر بدقة مما أدى الى تباعد تقديراتها.
وقد أوضحت رسمياً وزارة التخطيط والمتابعة والاصلاح الاداري في مصر26، أن حجم الاقتصاد الخفي المقدر كنسبة من الناتج المحلي بلغ 40% في نهاية عام 2017، وأن حجم هذا الاقتصاد تزايد مع أحداث ثورة 25 يناير 2011، نتيجة غياب الوحدات التي تراقب الأنشطة الاقتصادية.
وفي الواقع الفعلي تعتمد مصر على التعداد الاقتصادي الذي يغطي جميع الأنشطة داخل المنشآت،كما تعتمد على مسح نفقات ودخل الأسر بالنسبة للأنشطة، التي تتم خارج المنشآت وداخل الأسر نفسها، كما أن هناك مسح للقوى العاملة الذي يضم العاملين داخل وخارج المنشآت. الا أن تلك المسوح من البيانات تتم على فترات متباعدة، وتستند على أن الاقتصاد الخفي مقصور على الوحدات غير الرسمية صغيرة الحجم لتجارة التجزئة التي بها أقل من 5 عمال، والصناعات التحويلية وخدمات الاصلاح التي بها أقل من 10 عمال،والوحدات التجارية التي تكون غير مسجلة ولا تمسك حسابات منتظمة27 ، ولاشك أن هذا دفع الحكومة المصرية في فترات عديدة لفرض عقوبات متشددة (كزيادة الغرامة المالية المفروضة على المشروعات غير الرسمية، وزيادة مدة السجن وغيرها) أو تقديم تسهيلات في النظم الضريبية أو الائتمان المتاح لدمج المشروعات غير الرسمية داخل الاقتصاد28 . الا أن تلك المنهجية سوف تعالج فقط الاقتصاد الخفي صغير الحجم .
رابعاً المنهج الأمثل لتقدير الاقتصاد الخفي والتوصيات:
ان العرض السابق للأدبيات الاقتصادية المتعلقة بتقدير الاقتصاد الخفي، والتقدير الفعلي له في مصر يوضح أن التقدير الفعلي يركز على المسوحات للمشروعات غير الرسمية والتوظف غير الرسمي، وهذا يعكس المفهوم الضيق للاقتصاد الخفي، الذي يأخذ في الحسبان المشروعات الخفية فقط صغيرة الحجم غير المسجلة والتي لا تستند في نشاطها على الحسابات الرسمية. ولاشك أن تلك المنهجية لهذا النوع من المشروعات هامة جداً لأن أعداد تلك المشروعات متزايدة في القطاعات المختلفة، كما أن تواجدها يؤثر على الحافز لدى العديد من المستثمرين الشباب في اتمام مشروعات رسمية، ويشجع العديد من الأفراد على انتهاج عدم الشرعية، ولاشك أن حصر تلك المشروعات والعمل على دمجها من خلال الشمول المالي وفقاً لدعوة سيادة رئيس الجمهورية لها أهمية خاصة ومحورية للحد من قيام تلك المشروعات.
الا أنه على جانب آخر تظل هناك بعض الأنشطة التي تتم بشكل غير رسمي من خلال بعض الشركات الرسمية، والتي لا يجب اغفالها، وضرورة العمل على حصرها وتقديرها . وكما أوضحنا فان الطرق التقليدية في تقدير الاقتصاد الخفي تعاني من قصور واضح في الافتراضات التي تقوم عليها، بينما يعد منهج MIMIC أفضل المناهج العلمية الحديثة في تقدير الاقتصاد الخفي. ان الاعتماد على هذا المنهج سيسمح بتقدير الاقتصاد الخفي بمفهومه الواسع، وستظل مشكلة اختيار المؤشرات والأسباب هي المحور الرئيسي للحصول على تقديرات دقيقة . ان زيادة تلك المؤشرات والأسباب وبحيث تعكس ظروف مصر بدقة سيسهم في تقدير دقيق للاقتصاد الخفي في مصر وفيما يلي اقتراحاً لتلك المؤشرات والأسباب التي يمكن الاستناد اليها في التقدير الدقيق لهذا الاقتصاد في مصر(الاشارة الموجبة تعكس علاقة طردية والاشارة السالبة تعكس علاقة عكسية مع الاقتصاد الخفي): ومن أهم المؤشرات: معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي (–) ،معدل نمو عرض النقود (+) ،نسبة التوظف الرسمي (–) ،نسبة التوظف الذاتي(+) ،نسبة العمالة الفعلية المساهمة في الضمان الاجتماعي (–)،الايرادات الضريبية(–)،اجمالي الاستثمار للشركات المقيدة(–). ومن أهم الأسباب: نصيب قطاع الزراعة من الناتج المحلي (+) ، الفساد (+)،معدل الضريبة الحدي على الأفراد والشركات(+) ،معدل التضخم (+) ،معدل البطالة (+) ،القيود المؤسسية والتشريعات المنظمة (+) ،سياسة الحد الأدنى للأجور (+) ،المدفوعات التحويلية والاعانات (–) ،التفاوت في مستوى الدخل (+) ،القيود على الائتمان وتكلفته (+) ،الخصخصة (+).
وفي النهاية يمكن تقديم التوصيات الآتية التي تتعلق بتقدير الاقتصاد الخفي في مصر :
-استخدام المسوحات والاستبيانات لتحديد الاقتصاد الخفي صغير الحجم، وذلك لإمكانية دمجه من خلال الشمول المالي، بما يضمن عدم خروج تلك المشروعات في عملها عن الإطار الشرعي، فضلاً عن توفير مظلة تأمينية للعاملين في هذا الاقتصاد.
– ضرورة التوصيف الدقيق لطبيعة الأنشطة الخفية داخل كل قطاع، لأن ذلك لا يقل أهمية عن تقدير حجم الاقتصاد الخفي، لذلك لابد أن تحدد كل وزارة توصيف للأنشطة الخفية وفقاً لنشاطها .
-ضرورة اتباع منهج الأسباب والمؤشرات المتعددةMIMIC في التقدير الدقيق للاقتصاد الخفي بمعناه الواسع ، وضرورة اتاحة البيانات اللازمة لتلك المؤشرات والأسباب بشكل دوري لتقدير الاقتصاد الخفي على مستوى القطاعات المختلفة داخل مصر .
الهوامش :
(1)Schneider, F.( July 2002),”Size and Measurement of the Informal Economy in 110 Countries around the World “,Discussion Paper, Australian Tax Centre, ANU, Canberra ,Australia, P 1.
(2)Alm, J. and Embaye, A.( Feb. 2013) ,”Using Dynamic Panel Methods to Estimate Shadow Economies Around the World ,1984-2006”, Tulane University ,Working Paper 1303, PP 3.
(3) https://en.wikipedia.org/wiki/Richard_Blumenthal
(4) ILO – Department of Statistics (June 2012),”Statistical Update on Employment in the Informal Economy “, P6 .
(5) Nazier, H. and Ramadan, R.( Dec. 2014 ) ,”Informality and Poverty : a Causality Dilemma with Application to Egypt “, Economic Research Forum ,Working Paper Series , No. 895 , P 6 . ؛عبد الحليم؛ الجبالي(2015)، يحياوي(2016)، بنك التنمية الافريقي (AFDB(2016)؛ شيحان (2013) )(6) أمثال Rosser(2000) ;Schneider &Enste(2000) ;Schneider(2002) ;Valentini (2007) ;Laiglesia(2011) ; Kar & Saha(2012) ;Nazier& Ramadan(2014) ;Benjamin & Beegle(2014) ; Elshamy (2015) ;Elveren &Ozgur (2016) ; Ghecham (2017) ; ….etc..
(7)Rosser, B.J.( March 2000),”Income Inequality and the Informal Economy in Transition Economies “,Journal of Corporative Economics, ,Vol. 28, No. 1, P162. (8) Kar, S. and Saha, Sh.(Dec. 2012),”Corruption ,Shadow Economy and Income Inequality :Evidence from Asia”,IZADP, No. 7106 , P3 . (9)Look in: Schneider ,July 2002,P 3;Schneider, F. and Enste,D.(March2000),”Shadow Economies: Size ,Causes ,and Consequences”, Journal of Economic Literature,Vol .XXXVIII , P 82.
(10) Rosser, B.J.( March 2000),P164.
(11) سلمان، حيان (بدون تاريخ)،” اقتصاد الظل أو الاقتصاد الخفي “، جمعية العلوم الاقتصادية السورية، ص 6. (12)Elshamy, H.M. (2015), “Measuring the Informal Economy in Egypt “, International Journal of Business Management and Economic Research,Vol. 6, No. 2, P 137. (13)Nazier and Ramadan, 2014 , P 4 ; Benjamine , N. and Beegle, K.((May 2014),”Informal Economy and the World Bank”, PolicyResearch Working Paper , No. S6888,the World Bank,P10.
(14)عبد الحليم، ريم،” الاقتصاد غير الرسمي في الشركات الصغيرة والمتوسطة في مصر– تعريف ومراجعة تشريعية” ، بدون تاريخ :ص 3 . CIPE
(15)World Bank (2010),”Turkey Country Memorandum Informality Causes, Consequences, Policies”, World Bank Report, No. 48523- TR,PP14-16. (16)Elveren, A. Y. and Ozgur, G., (2016),”The Effect of Informal Economy on Income Inequality: Evidence from Turkey “, PanoEconomicus , ,Vol. No .3, P 299 ; African Development Bank ,(2016)”Addressing Informality in Egypt”,Working Paper,P 3. (17) أمثال الأسرج (2010)؛سلمان Abdelhamid; ILO (2012) ;Attia (2009) ; Kassem (2014) ;Hassan &Schneider (2016) ;Farzanegan &Hassan (2017).
(18)عفان، منال محمد الحسانين(1998)،” أثر الشركات متعددة الجنسية على التوظف والأجور في القطاع الصناعي المصري-دراسة تطبيقية”، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التجارة ، جامعة طنطا، ص ص 162-173.
(19) Look in: Rosser , 2000 ,P 164 ;Schneider and Enste , 2000 , PP 91-93 ;Elshamy ,2015, PP 138-139; Elveren and Ozgur ,2016, P 294 ; Ghecham, M. A.,(2017),”The Impact of Informal Sector on Income Distribution : Could Concentration of Income be Explained by the Size of Informal Sector ?”, International Journal of Economics and Financial Issues ,Vol. 7 ,No. 1 , PP 594-598; ILO, 2013, P 14 .
(20) صندوق النقد العربي (8-9 نوفمبر 2017)،” احصاءات القطاع غير الرسمي في الدول العربية”، الاجتماع الرابع للجنة الفنية لمبادرة الاحصاءات العربية ” عربستات” ،: ص ص 1-16.
(21) Schneider and Enste,2000 ,PP 97 -98;Ghecham ,2017, P 596;Elshamy,2015,PP138-140.
(22) – Attia, S. M.( Jan. 2009),” The Informal Economy as an Engine for Poverty Reduction and Development in Egypt”, MORA ,Paper No. 13034 , P15.
(23) – Laiglesia, J .R.( June 2011),” Is Informal Normal ? Informal Employment in Times of Shifting Wealth “, OECD Development Centre, P9 .
(24);(25) Schneider & Enste(2000); Alm&Embaye(2006); Hassan&Schneider(2016).
(https :// www. egyptindependent .com)26))
(27) African Development Bank, 2016, PP 7-10; Kassem, T.( Jan. 2014),”Formalizing the Informal Economy :Arequiredstate Regulatory and Institutional Approach Egypt as a Case Study “,International Academy of Science ,Engineering and Technology, Vol. 4 , No. 1, P 27صندوق؛ النقد العربي، 2017، ص ص4،3
(28) Hassan and Schneider, 2016 ,P310 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *