بيت الطين السيناوي …تراث في الطريق إلي الزوال

الجمعة, 29 يناير 2021, 4:46 م
تحقيق : حسن غريب أحمد
كاتب روائي ناقد باحث
يعتبر بيت الطين السيناوي ، القديم تراث عتيق له أنظمته وقواعده التى كانت تتبع في الانشاء والبناء وبعد البناءات والانشاءات الاسمنتية والخراسانية لم يتبق منه سوى اطلال في شمال سيناء عامة ومدينة العريش العاصمة خاصة.
ولو القينا نظرة فاحصة علي تكوين ومنشآت البيت السيناوي والذى كان يقطنونه أهلنا واجدادنا السيناويون سنجد أنه يعود بنا وللمناداة لعلماء الهندسة الي العودة الي الطيبعة وجمالها وروعتها وبساطتها وبهائها .
لقد بذلت جهدا كبيرا في البحث والتنقيب عن بيوت متبقية من بين البيوت السيناوية القديمة فلم اجد الا بضعة بيوت تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة في أماكن متفرقة بأحياء مدينة العريش داخلها وخارجها ولا سيما الأحياء العتيقة مثل حي الفواخرية والسمران وأبي صقل ,تلك البيوت العتيقة والتي كانت تعج بهاالبيوت السيناوية عامة والعريش خاصة ، ولقد أنشئت البيوت الطينية في الاربعينات وحتى الثمانينات ثم باتت معجزة ان تري بيوتا كثيرة من الطين في العريش وباقي المراكز الأخرى في ايامنا الحالية ونحن من خلال كاميرا وقلم صحيفتنا الغراء (البادية اليوم ) نكشف عن مكونات وشكل وتركيب وتكوين البيت السيناوي..
المكونات:
يبلغ مساحة البيت السيناوي ما بين خمسين إلي مئة مترا ويحيطه سور عال ومرتفع يوضع أعلاه زجاج مهمشم أو أسلاك جارحة درءا لتسلق أي لص عليها ،ويرتفع طول السور الي تسع أمتار، وكل مكوناته من الطين اللبن الأبيض المأخوذ من أعماق الرمال والصحراء وسيل مياه الوادى شرق مدينة العريش وبالقرب من قرية تدعى بئر لحفن. .
يتم جلب الطين علي ظهر الحمير والجمال ثم توضع في مكان يتجمع فيه الماء وتترك حتى يتم تفتيتها ثم يطرق عليها بالفأس أو أي آلة حديدية ثقيلة ثم بعدها يتحول إلي كومة طرية ولينة وتترك لمدة يوم أو عدة أيام وبعدها يوضع عليها بقايا مخلفات سنابل القمح والشعير وما تسمى بعد ذلك ب(التبن) والهدف من ذلك هو تماسكها وتلاحمها مع بعضها البعض وعدم تفككها بسهولة .
قالب الطين.
يتكون من قالب من الخشب وهو عبارة من نصف متر في عرض ربع متر ويؤخذ من الطين ويضاف في القلب ثم يترك قليلا حتى يجف وبعدها يفرغ علي أرض رملية ناعمة تلاشيا لالتصاقه بأي شيء في الارض وبعد يومين تقريبا يتم تجميع قوالب الطوب الطينى ووضعه في شكل راسي حتى لايتعرض للتهشيم او الكسر. .
يحدد المساحة السابق الذكر ويحفر في الارض بمسافة ثلاثة امتار ويوضع بداخلها القوالب بشكل هندسي فوق بعضها البعض بعد التأكد من جفافها تماما ومن المادة التي ،توضع بين القوالب وهى من ذات الطين الابيض فيحدث التصاق شديد بين كل قالب واخرحتى يتم انشاء السور بكامله ثم بعد ذلك يتم انشاء الغرف والتى يبلغ طولها خمسة في عشرة امتار حتى يصل بالبناء للإرتفاع المحدد وهو تسع امتار ،وبعدها يتم تعريش البيت والغرف من جريد النخل والاخشاب المتينة .
ويلاحظ اثناء البناء انه يترك فراغ بين كل قالب واخر بشكل هندسي حتى يكون الغرف من الداخل معتدلة الحرارة سواء في الشتاء فتكتسب الحرارة التى تم امتصاصها طوال فترة الشتاء وتخرج بشكل عكسي داخل الغرفة اثناء الشتاء فتشعر بحرارة دافئة للغرفة وفي فصل الصيف تمتص القوالب والجدران الحرارة فيصبح الجو معتدلا وغير حار في الغرف. .
ثم يتم وضع أعلي السطح قطعة من الصفيح بشكل مربع من الأمام وضيق من الخلف وتتدلي من علي طرف السطح وتسمى ب(المزراب)، بشكل مائل حتى يتم تفريغ مياه الأمطار التى تتجمع أسفل الأرض ولا يتبقي منها شيء راكد أعلي السطح فتسبب له دخول المياه من أعلاه ..
ويوجد داخل البيت السيناوي ما يسمى ب(الحابوز) وهو يوضع فيه الماء الذى يتجمع من المطر ليتم تنقيته بعد ذلك وشربه والغسيل للملابس منه اذا فاضت وزادت كمية المياه.
كما يوجد (الحوش) فيه الفرن العرايشي المبنى أيضا من ذات الطين وتتكون من طابقين، فالطابق الأول لوضع النار فيه والثاني لوضع الخبز النيء فيه إلى أن يتم نضجه.
والأبواب كبيرة ومرتفعة سواء أبواب الغرف أو باب الشارع والذى غالبا ما يكون أكبر بكثير من باب الغرف ويتم اغلاقه بقطعة من الخشب الثقيل او قطعة من الحديد منثنية عكس بعضها البعض ،.
اما غرفة الطعام والأكل فيتم انشاؤها بعيدا عن الغرف ببضعة أمتار ويراعي أن يوجد بها( المشنة) التى يوضع فيها الخبز و(المنقد) والحطب الذى يتم اشعاله في حوش البيت ثم بعد تحويله الي جمر يدخل به الي غرفة الطعام كى يطهى عليه، .الي جانب (الطبلية ) كبيرة الحجم التى يأكل عليها الجميع افراد الاسرة في وقت موحد وخاصة في وقت الغداء اما وقت الافطار والعشاء فيختلف تناول الوجبات عليها نظرا لالتزام البعض من افراد الاسرة بمواعيد الشغل والعمل..
وبعيدا عن غرفة الطعام يوجد بيت( الراحة او بيت الادب) وهذا ما كانوا يطلقون عليه مع اختلاف المسميات له فهو (حمام ودورة مياه) وتتكون من مساحة صغيرة لاتزيد عن أربعة أمتار في أربعة أمتار وأحيانا ما تكون أقل من ذلك،وبها (قاعدة بلدى) لقضاء الحاجة بها (زير) من الفخار لاخذ الماء في كوب حديدي او بلاستيكي ..كما يعلق علي مسمار خلف الباب الخشبي (ليفة ) للتنظيف والتى غالبا ما تكون من شجرة الليف ويكون حجمها كبير ومربوط بحبل معلق بمسمار خلف باب الغرفة..
اما شباك الغرفة فهو من الخشب ويكون من قطعتين ويكون اصغر حجما من باب الغرفة كما يكون قريب من الارض واحيانا يكون مرتفعا اعلي الغرفة. . ورغم تطور البناء وتقدمه إلا انه كثيرا ما نجد كبار السن يتذكرون البيت العرايشي وجماله ومكوناته والراحة له اكثر بكثير من البيوت الحالية المعقدة بناء وتركيبا فبالرغم من بساطة البيت السيناوي، وتكويناته إلا أنه كان مريحا ومتكئا طيبا للناس البسطاء من أبناء العريش خاصة وسيناء عامة.وخاصة (الحوش ) الذى يشمل بعض المزروعات الدائمة مثل شجرة الزيتون والنخيل حتى يستظل بها ساعة القيلولة ووقت العصاري ، كما يتم زرع بعض المزروعات التى تؤكل مثل الجرجير والبصل والفجل والعنب والتين والليمون..
ورغم عناء وتعب النساء من نظافة الحوش الذى لابد ان ينظف كل يوم بالغربال وتنقيته بغربال كبير الحجم من اوراق الشجر وبقايا ما تلوثه الرمال الناعمة البيضاء التى تملأ الحوش ويتم جلبها من رمال العريش الناعمة علي عربات الكاروأو بالسيارات ، وفرشها في الحوش بشكل مريح للنظر وللجلسة عليها الا انهن كن سعيدات ومبسوطات للبيوت القديمة، .
وهذا ما قاله ل(للبادية اليوم ) مجموعة من الرجال والنساء قد اكل منهم الدهروشرب ، ووصلا الي مرحلة كبيرة من العمر.
**تحدث بتنهدات ووجع شديد أحمد محمد السواركة قائلا :”البيت المكون من الطين وجريد النخيل تعتبر من أجمل وأفضل البيوت لانه مريح جدا سواء في النوم او الجلوس ففي الصيف نشعر بجو لطيف جدا ،أما في الشتاء فطبقات المبنى من الطين تساعد علي تدفئة الغرفة فكانت ايام لا يمكن أن تعوض ابدا ، تتوفر الاجهزة الكهربائية والمكيفات لكن مستحيل أن ننسى البيت الطيني ابدا . .
**وقال الحاج محمد علي حسين من اهالي مدينة العريش ليت ايام البيت العرايشي تعود وترجع مرة تانية كانت البيوت مريحة في النوم وفي القعدة .
**وأضافت السيدة خديجة ابراهيم الحجاوي وهى امرأة كبيرة السن :” رغم الجهد الذى كنت ابذله انا وبناتى في تنظيف الدار كل يوم وخاصة حوش الدار الا انه كان ممتع وجميل وخاصة بعد العصر عندما كنا نجلس جميعا علي طبلية واحدة اهل البيت ونشرب الشاي والقهوة بعد وضعه علي المنقد فنشعر بسعادة وفرحة كبيرة انا وبناتى وابنائي اما الان صار الحال معقد وصعب وكل شيء تدخلت فيه الكيماويات والاجهزة الحديثة التى لانشعر بلذة وطعم ما تصنعه لنا رحم الله زمان وايام زمان .
ويبقي البيت الطيني السيناوي في ذاكرتنا وعقولنا ابدا لن ولم نساه لانه من التراث السيناوي الاصيل سيقي ابد الدهر في ذاكرة ابائنا وامهاتنا واجدادنا محفورا وخالدايستعصى علي النسيان رغم عدم الابقاء وهو في طريقه الي الانقراض والزوال..
وفي داخل متحف العريش للتراث نموذج للبيت السيناوي بشكل نموذجى مجسم لكن هذا ابدا لن يكون مثل البيوت بشكلها ورونقها الطبيعي ابدا وسيبقي البيت السيناوي حديث ابائنا وامهاتنا واجدادنا هنا في العريش وشمال سيناء علي مر العصور الاتية لانه شعلة مضيئة ابدا لن ولم تنطفيء قط وسيبقي الذاكرة المتجددة في تراثنا وفي عقولنا ابد الدهر، امتزجت بها عظام أجدادنا وأبائنا برمال وطين تلك البيوت والتي تشبه الاهرامات في قامتها وشموخها وتحديها لكل مناخ علي مدار السنة ، وليتنا نجد أحدا من المسؤلين والمختصين بالعودة الي انشاء بيوت الطين لآنها غير مكلفة وصحية جدا حتى تحل أزمة الاسكان وغلاء الاسعار ، وفي الوقت ذاته تكون مصدرا من مصادر الدخل القومي لنا للسياح والقادمين الي سيناء ا
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.