العلاقة المحامي و القاضي

 

كتب:المستشارة زهيرة سليمان

بموضوع “المحامي والقاضي أية علاقة

فالمحكمة هي صلة الوصل المهنية الرئيسية بين المحامي والقاضي.
كما أن المحكمة سواء كانت مدنية أو تجارية أو إدارية أو جنائية
هي في الواقع عمل جماعي يساهم فيه العديد من الفاعلين في حقل القضاء، كل من موقعه حسب طبيعة القضية المعروضة على العدالة.
وإذا كانت المحكمة عمل جماعي فان تخلي أحد الفاعلين عن القيام بواجبه يتسبب في اختلال هذه المحاكمة.
والمحامي كفاعل أساسي في المحاكمة، يساعد القضاء ويشارك القضاة ويساهم معهم في تحقيق العدالة إلى درجة أن المشرع اعتبره عن صواب أو عن خطأ، جزء من أسرة القضاء.
ولابد من التذكير بأن المحامي والقاضي لهما نفس التكوين الأساسي ولهما نفس الثقافة القانونية والحقوقية بل ربما كانا رفيقين في مدرج نفس الكلية.
إلا أن الأقدار شاءت أن يمتهن أحدهم القضاء وأن يصبح الأخر محاميا يساهمان معا في تحقيق العدالة.
ومن تم أمكن القول بأن المحامي والقاضي محكومان بالتعايش المهني الأبدي فيما بينهما إذ يكمل الأول الثاني ولا يمكن تصور قضاء بدون قضاة ولا قضاء بدون دفاع.
إلا أن الأدوار تختلف باعتبار أن الدور الأول للمحامي هو الدفاع عن موكله وإقناع القاضي بقضيته بينما الدور الأساسي للقاضي هو الحياد والفصل في النزاع طبقا للقانون.
إلا أن المحامي والقاضي لا يمكنهما القيام بالمهام الموكولة إليهما إلا إذا لم تكن العلاقة بينهما قائمة على جو أسري مبني على الاحترام المتبادل الذي يدخل في إطار الأخلاق وعلى بعض الشيء من المجاملة التي تدخل في إطار اللباقة.
وحتى تتم المحكمة في جو من النظام والمسؤولية، فإن للمحامي واجبات اتجاه القضاء بصفة عامة واتجاه القاضي بصفة خاصة كما أن للقاضي واجبات اتجاه المتقاضي بصفة عامة واتجاه المحاماة والمحامي بصفة خاصة.
ويمكن القول بأن للموضوع حساسية عند البعض لان القاضي لا يتقبل أن يكون مدينا بواجبات اتجاه المحامي و المحامي لا يتقبل أن يكون مدينا بواجبات اتجاه القاضي لان ثقافتهما مبنية على استقلال الأول عن الثاني واستقلال الثاني عن الأول.

وسنقوم بإطلالة على العلاقة بين الطرفين التي تنطلق من حقوق القضاة على المحامين للوصول إلى حقوق المحامين على القضاة، هذه العلاقة التي تمتد في الكثير من الحالات إلى خارج المجال المهني الصرف لتجد آثارها في المجال الثقافي والاجتماعي.

تعريف حقوق القضاة على المحامين
ترتكز العلاقات بين المحامين والقضاة على المواثيق الدولية وعلى الدستور وعلى القوانين والأنظمة الداخلية للهيئات والأعراف والتقاليد المهنية.
ومن حقوق القاضي على المحامي أن تتم مرافعته للمحكمة وليس لنفسه أو للقاعة وأن يتجنب اعتبار نفسه أستاذا يلقن الدروس للقضاة وأن لا يتقمص شخصية موكله وأن يعمل على المحافظة على استقلاله وأن يتجنب الانفعال لان قاعة الجلسات ليست بحلبة لتبادل الصراخ أو السباب.
كما ينتظر القاضي من المحامي عدم مهاجمته وعدم السخرية منه على حساب الخصوم لان المقام يفرض الجدية والاحترام والاعتبار.
وإذا كانت للمحامي حصانة الدفاع التي يستمد منها حرية الكلمة سواء من خلال الكتابة أو من خلال المرافعة، فإنه من الضروري أن تكون كلمته مسؤولة ولها ارتباط بالقضية المعروضة وبأطرافها دون غيرهم.
فحرية التعبير لها حدود، إذ تقتصر على الجلسة وما يرد في الكتابات أو في المرافعات.
إلا أن المحامي يكون عادة في معارضة مع القاضي خصوصا في المادة الجنائية لأنه ملزم بمراقبة سلامة المسطرة إلى جانب الدفاع عن موكله.
وقد ينتج عن ذلك بعض الاصطدام بين الطرفين باعتبار أن علاقة المحامي بالقاضي ليست دائما بتلك العلاقة الهادئة المتزنة إذ يحدث من وقت لآخر بعض التوتر

والأمر عاد وطبيعي ويجب فهم القاضي الذي يرهقه تعب الجلسة وكثرة الملفات وتأتي منه أو من المحامي كلمة في غير محلها لتعكير الجو. كما يجب فهم المحامي المنهك بعمل شاق طيلة اليوم إذا لم تعجبه مقاطعة القاضي لمرافعته أو الذي لم يستجيب لطلب التأخير أو غيره من الطلبات إذا فاه بكلمة في غير محلها.
ويجب على المحامي في حالة حدوث سوء تفاهم بينه و بين قاض ودون تصعيد النزاع أن يرفع الأمر في الحين إلى النقيب أو إلى أقدم عضو في المجلس أو في الهيئة يوجد بعين المكان .

أما إذا تجاوز المحامي حدود اللباقة والاحترام وسقط في ما تحظره
هنا قانون المسطرة الجنائية المرتبطة بجرائم الجلسات فتبقى للقاضي إمكانية تحرير محضر بما حدث وإحالته على النقيب وعلى الوكيل العام المنظم للمهنة.
والذي كان يسمح لمحكمة الاستئناف بتأديب المحامي إلى حد توقيفه عن الممارسة المهنة
بل إن قضاة المجلس الأعلى هم من كان يبحث للمحامي عن ثغرات في المسطرة حتى لا يتم إلغاء القرارات النادرة الصادرة عن بعض محاكم الاستئناف التي قضت بالتأديب.

وإذا قرر المحامي تقديم أي طعن ضد أي حكم أو قرار فإن الأعراف والتقاليد تلزمه بالاعتدال في أسلوبه وبالموضوعية في مضمون الطعن وعدم المساس بشخص القاضي أو الهيئة القضائية التي أصدرت الحكم أو القرار.
وأخيرا وإذا كانت لا يجوز لأي محام أن يرفع شكاية أو يقيم دعوى ضد قاض إلا بعد موافقة النقيب الذي تدخل في نطاق دائرته المحكمة التي سيرفع أمامها النزاع إذا ما تعلق الأمر برفع دعوى”، فإن النقيب يعمل عادة على حل النزاع بالاتصال مع القاضي ومن يراه أهلا لذلك من رؤسائه وأصدقائه إن اقتضى الأمر ذلك.
وفي جميع الأحوال فان المحامي الذي يترافع ضد قاض ملزم بزيارة مجاملة لهذا الأخير بعد إذن النقيب او ان النقيب نفسه هو الذي سيدافع عن المحامي
هذه بعجالة إطلالة على بعض الحقوق التي للقضاة على المحامين.

تعريف حقوق المحامين على القضاة.

تنطلق حقوق المحامي على القاضي من المواثيق الدولية ومن الدستور ومن القوانين الداخلية
فالدستور يلزم القاضي بالاستقلال وبعدم تلقي بشأن مهمته أي أوامر أو تعليمات وعدم الخضوع لأي ضغط وأوجب عليه كلما اعتبر استقلاله مهددا أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية

ومن جهة أخرى فإن القاضي يقسم عند تعيينه لأول مرة بأن يمارس مهامه بحياد وتجرد وإخلاص وتفان، وأن يحافظ على صفات الوقار والكرامة، وعلى سر المداولات، بما يصون هيبة القضاء واستقلاله
والالتزام بالتطبيق العادل للقانون، وسلوك مسلك القاضي النزيه”.
فالمحامي ينتظر من القاضي احترام ما نص عليه الدستور والالتزام والتحلي بالصفات التي أقسم بها عند تعيينه كما ينتظر منه احترام المبادئ
ومن جهة أخرى، وإذا كان الجميع يؤمن بكون المحامي يشارك القضاة في تحقيق العدالة فانه من البديهي أن يستشار في تدبير الشأن القضائي لأنه أدرى بجل ما يعترض المحامين وموكليهم من صعوبات ومشاكل.

من جهة أخرى وإذا كان مطلوبا من المحامين الحضور في اليوم والساعة المحددين من قبل المحكمة فإن المحامين ينتظرون من القضاة احترام الوقت كذلك نظرا لتعدد الجلسات والمدرجة بها ملفات موكليهم ولكثرة التزاماتهم.
و لابد من التأكيد أيضا على أن المحامي ملزم بالاستقلال في ممارسته لمهنته.
ومن تم فأنه لا يعمل تحت سيطرة القاضي ولا يتلقى تعليمات منه في طريقة تدبير ملف موكله بل يشارك القاضي ويساهم في تحقيق العدالة.
والقاضي يعي أكثر من غيره بأن المحامي يتمتع بحصانة الدفاع.
كما أن القاضي يحترم حقوق الدفاع ويجعلها من أولوياته لأنها تسمح بامتياز بالمحكمة العادلة.
وقد دأبت الممارسة اليومية وطبقا للأعراف والتقاليد على معاملة المحامي من قبل القضاة معاملة مهنية وأخلاقية طيبة على اعتبار أن الدفاع يؤدي رسالة لا تقل خطورة على رسالة القاضي.
و القاضي يعي قبل غيره بأن المحامي ليس خصما له بل هو حلقة لابد منها في النظام القضائي وأنه مناط بأمانة من المتقاضين وان تكوينه يسمح بفض النزاعات بكفاءة وبسرعة تخدم القضاء وهو من تم يؤدي خدمة عامة للمجتمع.
كما أن العلاقة المتينة بين القضاة والمحامين المبنية على الاحترام والاعتبار والتعاون تخدم العدالة.
والمحامي والقاضي مسؤولان على جودة الأحكام من جهة ومسؤولان على ترسيخ جو الثقة في العدالة التي يطمح إليه المجتمع لان الثقة والجودة يتبعهما الأمن القضائي الذي يتبعه الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي كما أن الأمن القضائي يحفز على الاستثمار الذي تتبعه التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *