البعكوكة بقلم : على شعيب

 

…. ربما لا تستطيع أن تعرف كيف سمح هؤلاء لأنفسهم أن يحشروا أجسادهم حشراً فى تلك العلبة ذات الأربع عجلات والتى تتخير المطبات بعناية لتأكلها ؟!
سيارة ربع نقل تتحول بقدرة قادر إلى سيارة أجرة ، ألواح من البلاستيك السميك تنتهى بسقف من المعدن ، تحته مباشرة مقعدان متقابلان يسعان لعشرة أشخاص على الأقل ، مكسوان بجلد رخيص امتلأ بالثقوب وبرزت منه قطع من الإسفنج الداكن وكأنها عيون تتلصص على الجالسين ..
قبل أن تدخل إلى السيارة ، عليك أن تصعد درجتين من الصاج ، على جابيهما قائمان من الحديد يتشبث بهما الراكب قبل أن يصعد إلى الداخل ..
تدخل إلى السيارة وتلقى بجسدك فى اقرب جحر يقابلك ، تنقطع كل اتصالاتك بالعالم الخارجى ، حتى السائق لا تستطيع التواصل معه إلا من خلال زر تضغط عليه ليتوقف أو يمشى ..
فى الداخل ، يقل الهواء وتقل الرؤية ، تغلى الأجساد من شدة الحر وتتعالى الأصوات ، وتنشب المعارك على أتفه الأسباب ..
إذا كنت محظوظاً وجلست بجانب السلم تستطيع ساعتها أن تتنفس الهواء النقى ، بل وتشعر أنك لازلت تشكل جزءاً من العالم الخارجى ، وأحياناً تكون أكثر حظاً عندما تجلس بجوار السائق ، صحيح أنك تدفع أجرتين ، لكنه إحساس لايضاهيه إحساس عندما تلتفت وتنظر عبر الشباك الزجاجى الصغير لترى الأجساد المتراصة وهى تئن فى صمت رهيب بعد معركة حامية خاضتها الألسن والأيدى ببراعة ..
أربع سنوات و”شاكر” على هذا الحال ، كم تمنى أن يأتى يوم لايركب فيه هذا القبر .. كل يوم يذهب فيه إلى مدرسته يركبه ألف عفريت ، فهو يشعر أن شيئاً ما يطبق على صدره ، وأن أًصواتاً تتصارع بعنف فى أذنيه ، أما قدميه فلم تعد تحملانه ..
رحلة المعاناة تلك جعلته عصبياً وحاداً ، فلا يكاد يمر يوم إلا وتراه وقد أوقع نفسه فى مشكلة .. ضرب طالباً أو تشاجر مع زميل له ، أو ذهب إلى مكتب المدير وظل يزعق ويهذى قبل أن يأتى زملاؤه ويأخذوه بعيداً ..
امتلأ ملفه عن آخره بالجزاءات ، حتى لا يكاد يحصل على شىء من راتبه ، تجاوز الأربعين ولم يتزوج ، وكلما تحدث معه زملاؤه فى الأمر رد غاضباً :
– هجوز ازاى وهصرف عليها منين يا ناس
– انوى انت بس وربنا هيعدلها
– النية كانت أمنية ، وأمنية راحت من زمان
– يا عم انوى بس واحنا هنساعدك
– عاوزنى اتجوز شحاته ياولاد ….
كان “شاكر” يعيش مع والدته بعد وفاة والده وسفر أخوه الوحيد مع زوجته ، وكم حاولت أمه إقناعه أن يتزوج ، لكنه كان دائم الرفض ..
– يا شاكر أنا مش هعيشلك طول العمر ، ونفسى أشوف ولادك قبل ما أموت
– ربنا يعطيلك طولة العمر يمه .. بس أنا خلاص معتش بفكر فى الجواز
– يابنى العمر بيعدى وهتحتاج حد يسندك لما تكبر
– ريحى نفسك يمه وريحينى معاكى وبلاش نكلم فى الموضوع ده تانى
يوماً ما ، وقع “شاكر” فى الحب ، كانت ” أمنية” زميلته فى الكلية .. اتفقا على الزواج ، لكن والده رفض بشدة بحجة أن أمها تزوجت بعد أن طلقها زوجها ..
حاول “شاكر” كثيراً مع والده عله يعدل عن رأيه ، لكن دون جدوى ، انقطع الأمل .. ذهبت ” أمنية ” ولم يعد يعرف عنها شيئاً ، وظل هو على موقفه الرافض للزواج ..

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *