أسرار في حياة البابا كيرلس السادس

عماد اسحاق
احتفلت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بالتذكار السابع لاعتراف المجمع المقدس بقداسة البابا كيرلس السادس البطريرك الـ116 من تاريخ باباوات الإسكندرية على الكرسي الباباوي، في الفترة من 1959 – 1971 م ومنحه لقب “قديس” كذلك بقداسة الارشيدياكون حبيب جرجس ، ومنحه لقب “القديس”.
ويذكر أن أن المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني قد اعترف بقداسة البابا كيرلس السادس والارشيدياكون حبيب جرجس في جلسته بتاريخ 20 يونيو 2013 م
وعن القديس البابا كيرلس السادس يقول القمص يوسف تادرس الحومي استاذ تاريخ الكنيسة بالمعاهد اللاهوتية
لاشك ان القلم يتقدس عندما يكتب اسم البابا كيرلس السادس القديس الذي رفع روحانية شعب الكنيسة بروحانياته العالية , وشجع شباب الكنيسة على محبة الصلاة والتسبحة والقداسات اليومية , وتحول كل مكان ارتبط بالبابا كيرلس الى مزار مقدس : فمقبرته بالدير مزارا ومتحفا لمقتنياته الشخصية من ملابس وصلبان , كما أصبحت طاحونة الهواء الضيقة بالجبل مزاراً يحوي جوارها كنائس عديدة وصار الجبل عمارا بوجود الطاحونة وصارا آهلا بالمساكن والشوارع . كما أصبحت كنيسة مارمينا بمصر القديمة التي أنشأها مزاراً يتم الاحتفال به بأعياد البابا كيرلس السادس مثل الدير والطاحونة , بل وأصبحت الغرف الملحقة بالكنائس في مصر القديمة التي كان يبيت فيها مزارا وبركة لكل من يرتادها . كما أصبحت المغارة التي عاش بها خارج دير البرموس من الجهة الغربية مزارا وسجلتها هيئة الآثار كأثر بعد زحف استصلاح الأراضي حولها. وهكذا تحول كل مكان له علاقة به الى مكان بركة ومزارا للشعب , هذا يذكرنا بالآباء الرسل حيث كانت مناديلهم وعصائبهم تشفي الأمراض وتذهب الأرواح الشريرة.
الأثر الروحي :
ويضيف القمص يوسف الحومى ترك البابا كيرلس أثرا روحيا ممتداً في شعب الكنيسة , ورفع المستوى الروحي للأٌقباط في وقت عصيب كانت تحتاجه الكنيسة , فقد غيرّ كثير من المفاهيم التي كانت سائدة قبل عصره , فمن المعروف أن الكنيسة مرت بفترة من الصراعات قبله أضعفت المستوى الروحي كثيراً . وقد حكى القمص رافائيل آفا مينا – تلميذه – في كتابه : ” البابا كيرلس والقيادة الروحية ” عن أن مارمرقس الرسول حينما ظهر للبابا كيرلس في صلاة إحدى العشيات أخبره أنه ظل حزين على الكرسي أكثر من ثلاثين سنة . وهذه الفترة هي التي كانت مابين نياحة البابا كيرلس الخامس (+1927م) , وجلوس البابا كيرلس السادس 1959م .
من هنا نفهم فرح مارمرقس بالبابا كيرلس أنه هدية السماء للكنيسة القبطية الأرثوذكسية بل للكنائس الشرقية كلها , الذي نقل الشعب من مفاهيم أرضية كثيرة وصراعات مريرة الى النظر للسماء في تسابيح وسهرات روحية مما خلق جيل جديد مرتبط بروحانية السماء.
جذور عائلة البابا كيرلس والشيخ علوش :
واوضح القمص يوسف الحومى ان البابا كيرلس السادس ينتمى الى عائلة ” زيكي” التي استقرت في بلدة طوخ دلكة (طوخ النصارى سابقا) بمحافظة المنوفية , وقد استمدت العائلة اسمها من اسم مسقط رأس عائلها الكبيرة في بلدة “الزوك الشرقية ” بمحافظة سوهاج . ومن طوخ إنتقل المعلم يوسف عطا الزيكي الى بلدة دمنهور أواخر القرن التاسع عشر نتيجة عمله هناك وهناك أنجب ثلاثة أبناء أولهم حنا يوسف (+ 1976م) , ثم عازر الذي صار البابا كيرلس السادس سنة 1902م , وميخائيل الذي رسم كاهنا باسم القمص ميخائيل يوسف على كنيسة مارمينا بمصر القديمة في 1962م وتنيح 1975م . وكانت الاسرة حريصة على زيارة كنيسة العذراء ببلدتهم طوخ النصارى في 21 بؤونه من كل سنة , وزيارة كنيستها في بلدة العطف بالبحيرة في 15 مسرى نهاية صوم العذراء , وكذا عيد مارجرجس . أما عيد مارمينا في بلدة أبيار فكان أحب الأعياد الى قلب عازر حيث كانت الاسرة تقضي اسبوع كامل في ديره بأبيار غربية . وقد انطبعت هذه الأمور على قلبه ونفسه
كما أنه من صغره نشأ على محبة الفقراء , فقد رأي مرة في رفاع الصوم المائدة ممدوة بأطيب الطعام فقال لأمه أمام أبيه
: “اننا نأكل كل يوم من هذا الطعام الفاخر وبجوارنا عائلة الكردي – وهو رجل تركي أقعده الكبر – فقيرة محتاجة ألا
يحسن إهداء هذا الطعام لهم من أجل المسيح ؟ وفعلا قاموا بتقديم الاطعمة الفاخرة الى عائلة الكردي .
وذكر شقيقه المرحوم حنا يوسف في كتاب ذكرياتي عن البابا كيرلس , انه كان بدمنهور فقيه يدعى الشيخ أحمد علوش زار الاسرة مرة واقترح ان يرسلوا عازر الى (الكُتّاب) الذي كان يديره الشيخ علوش في إجازة المدارس فوافق والده على ذلك , واقترح الشيخ علوش أن يحضر معه إنجيلا ليدرس فيه , فأعطاه أبوه انجيل يوحنا مكتوبا بحروف كبيرة, وماهي الا اسابيع الا وقد حفظ عازر ومعه الشيخ علوش انجيل يوحنا .
أثر الإسكندرية عليه :
ويشير القمص يوسف الحومى الى ان اسرة الباباكيرلس انتقلت الى مدينة الإسكندرية حيث عمل الوالد وكيلا لدائرة ” أحمد يحى باشا” , وهناك أتم دراسته الثانوية وعمل بشركة ” كوكس شيبنج للملاحة” , وأظهر أمانة فائقة منها انه وجد مرة حافظة نقود قائد انجليزي اثناء إشرافه على الإجراءات الجمركية لسفره , فحرزها وسلمها للمدير الذي كان عنده القائد فعرض عليه مكافأة مقدارها مائة جنيه استرليني , رفضها بأدب لأن الامانه طبعه , فزاد مرتبه عشرة جنيهات في اليوم التالى .
ومن الإسكندرية انطلق لدير البرموس سنة 1927م صحبة راهب يدعى القمص بشارة البرموسي الذي صار فيما بعد الانبا مرقس مطران ابوتيج ( + 1977م) بتوصية من الانبا يؤانس مطران البحيرة والمنوفية ووكيل الكرازة المرقسية في الإسكندرية ( صار البابا يؤانس التاسع عشر +1942م) وبعد تسعة أشهر رسم راهبا باسم الراهب مينا البرموسي في 25 فبراير 1928م . وكان أب اعترافه القمص باخوم البرموسي كما ذكر هو بخط يده , وأثناء زيارة البابا يؤانس التاسع عشر للدير سنة 1931م كلف الانبا ديمتريوس مطران المنوفية برسامته قساً ,ومن وقتها كان يصلى القداس يوميا ثم التحق بمدرسة الرهبان اللاهوتية بحلوان وظل على نهجه , وحينما أهاج عدو الخير عليه البعض فهدموا فرن القربان ذهب لفرن عام وخبزه بنفسه . ثم رجع وتوحد بمغارة القمص سرابمون البرموسي وهو صاحب المغارة قبله (+ 1935م) وهو من ميت خاقان بالمنوفية كان رئيسا لدير البرموس وتنيح في بنها عند اخته الأرملة ومن تركته بنت اخته كنيسة العذراء بالقناطر حسب وصية أخوها . في مغارة القمص سرابامون توحد القس مينا بعد إذن شيوخ الدير
وبخاصة القمص عبدالمسيح المسعودي .
المغارة ثم الطاحونه :
وعن مغارة وطاحونة البابا كيرلس يقول القمص يوسف الحومى اصلح القس مينا مغارة القمص سرابمون وسكن فيها من سنة 1932م الى سنة 1936م حينما تعرض للطرد من الدير بقوة البوليس من قبل القمص برنابا الباقوري رئيس الدير مع الرهبان الستة وهم : القمص بشاي البرموسي والقمص شنودة البرموسي والراهب داود والراهب تناغو والراهب يوسف والراهب غبريال , وكان ذلك يوم سبت لعازر قبل عيد القيامة بأيام . فنزلوا ضيوفاً في بيت القمص داود مرقس كاهن الملاك القبلي بمصر القديمة وهو والد القمص ميخائيل داود ( العذراء روض الفرج) حيث ان القمص شنوده البرموسي ابن عمه , ثم استأجروا بيتا به عشر غرف بالقرب من جامع عمرو بن العاص , الى ان عادوا للدير . أما القس مينا فتوحد في إحدى طواحين الهواء بجبل المقطم عند مصر القديمة بإيجار إسمي من مصلحة الاثار عن طريق الدكتور حسين راشد مدير الاثار العربية , وعرف من هذا الوقت باسم القمص مينا المتوحد . ولم يرجع ديره ويرى القمص برنابا الباقوري إلا في بطريركية الإسكندرية سنة 1960 م حيث كان يعيش بعد ان ترك رئاسة الدير سنة 1948م , (وتنيح القمص برنابا الباقوري عند اخته في كفر الدوار سنة 1962م عن 97 سنة ) وظل القس مينا بالطاحونة حتى سنة 1942م حينما نزل بسبب الحرب العالمية الثانية وبعدما تنقل في كنائس المنطقة ولم يجد راحة اشترى ارضاً وبنى عليها كنيسة مارمينا بجوار شريط المترو بمصر القديمة كرست 1947م . وفي سنة 1944م عين مشرفا على دير انبا صموئيل المعترف بغرب مغاغة وبني كنيسته وقام انبا اثناسيوس مطران بني سويف والبهنسا بتكريسها ومنح رتبة القمصية للقس مينا . ثم رجع الى مصر القديمة ,وفي فجر السبت 9 مايو 1959م رجع لدير البرموس , ليؤخذ منه للرسامة حسب تقاليد الكنيسة .
على كرسي مارمرقس :
ويؤكد القمص يوسف الحومى انة كان للأنبا أثناسيوس مطران بني سويف الكبير (1925 – 1962م) دور كبير في ترشيح القمص مينا المتوحد فقد أرشده الله أن يقدم تزكية باسمه للترشيحات البابوية في آخر يوم قبل قفل الباب ولما لم يجد عدد كاف من الاساقفة يوقع على التزكية لتخوفهم , لجأ الى أعضاء المجلس الملي في ذلك وبعد الانتخابات والقرعة الهيكلية حسب لائحة 1957م تمت رسامته بابا وبطريركا للاسكندرية في 10 مايو 1959م . ونلاحظ في كل الصور الخاصة بالرسامة ملازمة انبا اثناسيوس له , كما نلاحظها ايضا يوم رسامة مطران القدس انبا باسيليوس سنة 1959م فقد كان وجوده دائما معه , فقد سانده بكل قلبه وجهده ووقف معه في كل الامور الادارية في الشهور الاولى ثم تركه ورجع لايبارشيته . كما يعود الفضل لنفس المطران في ان يجعل كثير من مطارنة واساقفة الكراسي يبتعدون عن ترشيح انفسهم للكرسي البابوي حيث كان هو قائم مقام البابا البطريرك في هذه الفترة , واتفق معهم على الرجوع لتقاليد الكنيسة في اختيار راهب قمص للكرسي لذا كانت القرعة بين ثلاث رهبان هم : القمص دميان المحرقي والقمص انجيلوس المحرقي وهو . وفيما بعد رسم الأول مطرانا باسم انبا توماس على كرسي النوبة وام درمان سنة 1959م وتنيح 1963م . ورسم الثاني مطرانا على القليوبية 1963م باسم انبا مكسيموس وتنيح 1992م .
أعماله في البطريركية :
وعن اعمال البابا كيرلس فى فترة حبريتة يقول القمص يوسف الحومى ظل البابا كيرلس السادس على كرسي مارمرقس لمدة اثني عشر سنة من 1959م حتى رحيله في 1971م بنى خلالها الكنيسة روحياً فكان بسلوكه عظة حية , ولم يجعل فاصل بينه وبين الشعب فكانت مقابلاته لأي أحد في أي وقت , ومعماريا بنى دير مارمينا بمريوط والكاتدرائية المرقسية في دير انبا رويس , وجدد الكنيسة المرقسية الكبري بكلوت بك بالقاهرة , وعمل الميرون 1967م , وظهرت السيدة العذراء في كنيستها بضاحية الزيتون بالقاهرة 1968م , وأرجع جزء من رفات مارمرقس من فينيسيا عن طريق روما 1968م , ورسم أول بطريرك اثيوبي في التاريخ سنة 1959م وهو ابونا باسيليوس (+1970) وبذلك نالت كنيسة اثيوبيا الاستقلال , كما رأس مؤتمر الكنائس الارثوذكسية باثيوبيا 1965م واعترف بدير انبا صموئيل كدير رهباني 1959م , وأنشأ كنائس كثيرة في القاهرة والاسكندرية والمحافظات بل وفي المهجر أيضاً , ورسم 21 مطرانا واسقفا داخل وخارج مصر , وقد حاكم أحد الاساقفة وعزله من رئاسة الدير يوم 21 يونية 1961م , كما كان مواظبا على اصدار الرسالة البابوية لتقرأ في جميع الكنائس في عيدي الميلاد والقيامة وقد جمعت وطبعت فيما بعد في كتاب خاص , وهناك عشرات الكتب التي صدرت عن تفاصيل أعماله في البطريركية وكيفية رعايته ومحبته لشعبه والحروب التي قاساها من بعض رجال الكنيسة ومن الشعب ولكن في النهاية نعمة الله آزرته في خوض التجارب والانتصار عليها .
مدفن البابا كيرلس السادس :
وقد تنيح البابا يوم 9 مارس 1971م ودفن أولاً أسفل الكاتدرائية المرقسية بدير أنبا رويس , وعند فتح وصيته وجدوه يوصي بدفن جثمانه في دير مارمينا بمريوط فنقل الجثمان لدير مارمينا يوم 23 نوفمبر 1972م . وفي يوم 20 يونيو 2013م صدر اعلان قداسته من المجمع المقدس للكنيسة القبطية الارثوذكسية .بركة هذا القديس العظيم تشملنا جميعا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *