“رائحة زوجتى” بقلم /أميره حسني

زوجتى …. قرة عينى …. من أعطتنى درسا في الحياة دون قصد منها ولا إرادة … علمتنى عظة وهى فى كامل ضعفها كسرت به غرورى وظنى الخاطىء عن الرجولة .. … فهي ليست بالتكبر ولا بالصوت العالى الخشن …. الرجولة ليست الاعتراض على بنات الناس عند الزواج … وليست بالإمكانيات المادية وحدها نعيش الحياة … فلابد من قوة فى تحمل الأزمات والمواقف الصعبة والحفاظ على كيان الأسرة والثبات على نجاح البيوت وإستقرارها ….
فأنا كنت شاب وسيم رياضى أشغل بال بنات الجيران والعائلات من أصدقائنا…. ناجح فى عملى لدى من الإمكانيات المادية ما يؤهلنى لإختيار ست البنات كما كانت تقول لى أمى … ربما كان هذا كل ما أملك …. كنت على خطأ …. حقا كنت على خطأ ….
فطوال فترة مراهقتى كنت انا الشاب المميز … المفضل لدى جميع البنات….. لم اسع يوما لفتاة مهما كان جمالها بل هم من كن يسعين إلى ….. وعندما اقتربت من سن الزواج كانت تنهال على العروض من كل من حولى …. ولكن لأنى كنت مغرورا …. لم أفهم بعد حقيقة الحياة فكان إختياري للزوجة أن تكون جميلة… رشيقة… ربة منزل ماهرة… من عائلة كبيرة … و….. و …. وكل الشروط تقريبا …. كنت أريد فتاة كاملة لا ينقصها شيء ولم ألتفت اطلاقا أن من ينقصه شيء فهو أنا …
تزوجت جميع الفتيات من حولى بعد ما يأسن منى ومن غرورى وقاربت على إنهاء الثلاثين من عمرى وأنا على موقفى لا أتغير . … حتى أتى يوما رشحت لى أمى ابنة احد أصدقائها عائدين من الخارج للتو… لم أكن متحمسا فى البداية ولكن بعد ما رأيتها وجدت فيها كل ما أطلب من مواصفات …. جميلة … رشيقة . . مهتمة جدا جدا بنفسها …مثقفة … وناجحة فى أعمال المنزل كما أريد …. وليس لها أشقاء ولا حتى أصدقاء … وتمت إجراءات الخطبة والزواج سريعا لأنه فى إعتقادى لا ينقصني شيء…..
والحق وانى وجدتها زوجة طيبة …. تحافظ على نظافة المنزل…. وتطهو أفضل الطعام… وتحافظ على رونقها فى كل وقت …. ولاحظت انها تحب العطور جدا جدا فزجاجة العطر لا تفارق مكانها ابدا تضع العديد فى غرفتنا… وواحدة فى كل غرفة .. حتى أنها تضع منها فى المطبخ .. واعتدت على رؤيتها بهذا الجمال والاهتمام دائما ومرت شهور من السعادة والتفاهم حتى حقا أحببتها … وجاء طفلنا الاول جميلا … صحيحا أضاف لنا من السعادة الكثير وأضاف إلى مزيدا من المسؤلية .. ورغم ذلك لم تقصر زوجتى فى خدمتى أو رعاية طفلنا .. ولا معى أيضا ولا زالت عادتها فى شراء العطور والاهتمام بنفسها ……
واعتقدت أنى أخذت نصيبى من الدنيا فى كل شيء … حتى أتى ذلك اليوم التى تغيرت فيه حياتى تماما وقلبها رأسا على عقب….
فكنا فى شهر رمضان المبارك وزوجتى لا تقطع عادتها فى دعوة اهلى على الإفطار معا وجمع العائلتين سويا ….
وكالعادة منهمكة فى طهى افضل أطياب الطعام اذا بطفلى الصغير يزحف على الأرض بجوارها واقترب من البوتاجاز وإناء الزيت المغلي عليه فحاول أن يمسك فى ملابسها وبحركة خاطئة لتفادي طفلها انقلب إناء الزيت المغلي عليها ….. هرولت على صراخها وصراخ طفلي وانا أشاهد النار تمسك ملابسها والزيت المغلي يفترس جلدها ….
لم أدرى ماذا افعل ولا كيف اتصرف وظللت دقائق مذهولا مرعوبا حتى هرولت سريعا إلى جيراننا وأتى الجميع وساعدونى فى إطفاء النار وهناك من طلب الإسعاف وذهبنا مسرعين إلى المستشفى تاركا طفلي الصغير مع جارتنا التى تطوعت مشكورة بأخذه حتى نتصرف فى هذه المصيبة التى حلت على زوجتى فى غفلة من القدر …
وأتت أسرتى والأصدقاء والمعارف إلى المستشفى ورأى الجميع زوجتى وهي راقدة لا حراك لها غائبة عن الوعى والحروق تملأ جسدها وانا فى قمة الذهول والرعب من الصدمة .. لا أعرف ماذا سيحدث وهل ستشفى زوجتى … وطفلى .!!!!!! أين هو …. واضطرت مسرعا الذهاب لجارتنا وأخذ الطفل والعودة للمستشفى مرة اخري ….
وجاء الطبيب وتحدثت معه عن حالة زوجتى وأخبرنا انها ستحتاج لرعاية كاملة لأكثر من ستة أشهر على الأقل …. معقول ؟؟؟ ستظل زوجتى راقدة هكذا ستة أشهر ؟؟… وماذا عن طفلنا من سيرعاه ؟؟؟ ومن سيقوم بخدمتها ؟؟؟وتوالت على الأسئلة التى ليس لها إجابة …
ومرت ليلتين كاملتين حتى افاقت زوجتى وهى تإن من شدة الألم…. والدموع تذرف من جانب عينيها ساخنة…. وحاول الجميع من حولى مساعدتى شقيقتي أخذت طفلنا لتعتنى به … وأهلى كانوا يداومون على الزيارة بالتناوب والممرضات تباعا لتغير الجروح من على زوجتى ومرت ايام وأسابيع لم أذق فيها طعم النوم الا ساعات قليلة للذهب لمنزل شقيقتى للإطمئنان على طفلي …. ولا زالت زوجتى تإن من الألم ودموعها تنساب على وسادتها …. ثم ماذا ؟؟؟؟ هل سأظل فى هذا الوضع ستة أشهر ؟؟؟؟ وهل ستطيق شقيقتي على الاهتمام بطفلنا؟؟؟؟ وماذا عن عملى الذى لم أذهب له من ثلاثة أسابيع ….
ظللت حائرا مبعثرا شديد العصبية فأنا لم أعتد حقا على تحمل مثل هذه المسؤلية ….
ثم ذهبت إلى منزلى لأحضر بعض الاحتياجات والملابس وأعود للمستشفى ثانية …. وعندما دخلت المنزل ودخلت غرفتى كانت رائحة زوجتى تملأ المكان ….. وزجاجة العطر فى مكانها كما هى .. لم أتمالك نفسي وانا أرى صورنا المعلقة على الحائط فبكيت بشدة … لا أعلم هل بسبب ما حدث لزوجته أم بسبب كثرة الضغوط على ؟؟؟
ظللت على حالى هكذا حوالى نصف ساعة وانا أبكى كالأطفال لا أعرف كيف اتصرف ….
توضأت بماء بارد وأقمت الصلاة وسجدت لله باكيا راجيا ان يساعدني ويرشدنى كيف أتصرف ….وبعد إنهاء الصلاة ظللت صامتا هادئا أفكر …. زوجتى بلا حراك …. طفلي ليس معى … منزلى مهمل …. والتراب والملابس المتسخة فى كل مكان …. حقا لقد كانت زوجتى تتحمل المسئولية كاملة دون شكوى أو ملل … ماذا كنت أفعل أنا ؟؟؟ أعطيها مصروف الشهر فقط فأجد بيتى منظما مرتبا طعامى جاهز … ملابسى نظيفة … . طفلي هاديء … والأهم أنها دائما جميلة ومرتبة!!!!
أهذا كل دورى ؟؟؟ أهذه الرجولة ؟؟ بيتى ينهار أمام عينى وأقف عاجزا ؟؟؟؟؟
نظرت في المرآة التى يعلوها التراب وعلى صوتى. … لا وألف لا …. لن أترك زوجتى هكذا … لن أترك طفلي بعيدا . ….. فمن يتحملوا اليوم لن يتحملوا كل يوم ….
أخذت القرار ….. أنا من سأرعى زوجتى وطفلى وبيتى …. لن أتهرب من المسؤلية … لو كنت انا مكان زوجتى كانت سترعانى تماما… ولن تتخلى عنى أبدا …
حسننا … اتصلت لوالدتي لتبعث لى عاملة النظافة لدينا لترتب المنزل …. وتعيد نظافته وتطهو بعض الطعام ….
وذهبت لعملى وأقدمت على اجازة طويلة ….
وذهبت للمستشفى وتحدثت مع الطبيب انى سآخذها المنزل وانا من سيرعاها … لن اجعل أحدا غيري يري زوجتى فى هذه الحالة ابدا …. وسأعتنى بطفلى أيضا …. شكك الطبيب فى كلامى واخبرنى أنها فى حالة حرجة وأنت لن تقدر على رعايتها ولكنى صممت على رأيي …
نقلت زوجتى بعربة الإسعاف للمنزل …. وضعتها برفق على سريرها …. وكتبت فى ورقة معلقة كل إرشادات العلاج كما أخبرني الطبيب …. وأخذت طفلي من عند شقيقتي …. وبدلا من التصفح فى مواقع التواصل الاجتماعي بدون هدف تعلمت من بعض المواقع الطبية كيف اضمد الجروح وكيف أطهو الطعام وأغسل الثياب وكنت احاول ترتيب المنزل قدر المستطاع واعتنى بطفلنا ….
تركت السهرات مع الأصدقاء فى المطاعم والمقاهي…..
ترى كيف كانت زوجتى تفعل كل هذه المسؤوليات دون تذمر أو شكوى …. كيف كانت فى نفس الوقت مهتمة بمظهرها وجمالها ….. وبدلا من رائحة زوجتى العطرة كانت رائحة الجروح والمطهرات والمراهم تملأ المكان … . ولكن لن أمل ولن أشكو …. سأكمل الطريق الذى بدأته ….
وتمر الأيام والاسابيع وأنا اخدم وأرعى زوجتى وبيتى وطفلي ….وبدأت زوجتى فى التحسن نوعا ما … وشعرت بالفرح والانجاز انى أنقذ بيتى…. بل وجدت المتعة فى ذلك ….
وكان يأتي الطبيب كل اسبوع لمتابعة حالة زوجتى الحبيبة ورأيته مندهشا منى كيف أرعى زوجتى وتحسن حالتها وتمر الأيام وتجف دموع زوجتى وتنظر إلى بعين مكسورة مشفقة على ولسان حالها خائف ان أتركها …. فأقبل جبينها ويديها وهى التى علمتنى درسا فى الرجولة وتحمل المسؤلية….
ومرت خمسة أشهر وتحسنت زوجتى تماما وجف الجرح وتماثلت للشفاء وطفلها يلهوا بجوارها …..
حقا كانت سعيدة وشعرت أنا أكثر بالسعادة واستشرت الطبيب هل ممكن ان نسافر عدة أيام فى مكان ساحلي للترفيه عن زوجتى وأذن لى وسافرت مع زوجتى وتحسنت حالتها كثيرا ……. بل وشفيت تماما ….. وعادت الروح إلى منزلى ….. ووقفت زوجتى على قدميها مرة أخري …. وعاد منزلى لنظافته ….. بل وعادت الروح إلى انا ايضا ….
وزارنا الأهل والأصدقاء وزوجتي تشيد دوما بمجهودى … وعادت حياتى لطبيعتها وعدت لعملى………. وذكرت لكل اصدقائي من الرجال عن تجربتي حتى يعرفوا المعنى الحقيقى للزواج والمسؤلية وكيف تتعب زوجاتهم فى تنظيم حياتهم دون كلل أو ملل…….
وذات يوم عدت إلى المنزل وجدت رائحة العطر مرة أخرى تفوح من المنزل…. ابتسمت قليلا فلم يعد يشغل بالى أو شيء أخاف منه فى مجهول المستقبل فأنا كنت قادرا واستطعت من جديد على استعادة استقرار بيتى ….

شاهد أيضاً

“يال تارات الحسين” بقلم د / محمد كامل

منذ مقتل عمر رضى الله عنه والفتن بدأت فى الامه الاسلاميه كما أخبرنا المصطفى فى ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.